السبت، 8 أبريل 2017

 نشر في المدى 4 تشرين أول 2004

 الباحث والدبلوماسي السويدي انغمار كارلسون يتصدى لاطروحة  

(صراع الحضارات) 

 ليس للتطرف والإرهاب دين أو ثقافة  *

طالب عبد الأمير


إثر انهيار المعسكر الاشتراكي وحل حلف وارشو وزوال ما وصف بـ " الخطر" الشيوعي، التفت المنظرون  الغربيون، المؤثرون  في سياسة بلدانهم، الى الاسلام ليصوروه بديلا لايقل تأثيرا و"خطورة" عن الشيوعية على الغرب. وبهذا الاستنتاج خرج الاكاديمي الامريكي صاموئيل هنتنغتون بنظريته حول "صراع الحضارات" التي يخيل  له من خلالها ان ثمة حربا تستعر ويشمل مداها مستويين: الاول كوني عام، تتصارع فيه الحضارات على خلفية دينية بهدف الهيمنة العسكرية والسياسية، والآخر اقليمي، مناطقي، بل وحتى  وطني، اي داخل نطاق البلد الواحد. وتتصارع في هذا الاطار ثقافات وخلفيات اثنية ودينية مختلفة، وستشهد هذه الثقافات والاديان تصدعاً في بنيتها الداخلية، لتعاد صياغتها وفق مفهوم جديد. هذا باختصار جوهر مفهوم الصراع "الكوني" الجديد الذي اجتهد في ابرازه الفكر الغربي الحديث، على يد صاموئيل هنتنغتون.
وقد مرت احدى عشرة سنة على هذا الاعلان الذي اطلق فيه البروفيسور في جامعة هارفارد الامريكية نظريته التي عنونها بـ The Clash of Civilisation  " صراع الحضارات، عنما نشر ملخصا لها في صحيفة ”Foreign Affairs” ، في العام 1993،  ومن ثم، وبعد ثلاث سنوات، ضمنها في كتاب طور فيه فرضياته هذه ليجعل عنوانه "صراع الحضارات واعادة صياغة انظمة العالم". ومن هذا العنوان يجد القارئ ان صاحبه ليس فقط يطرح فرضياته حول واقع ومستوى العلاقات بين المجتمعات والدول، و التسليم بأن الصراعات والنزاعات تجري على اساس خلفيات ثقافية ودينية، بل يتعدى ذلك الى  وضع تصورات حول اعادة تغيير انظمة العالم وفق مقاييس غربية، وهي الفكرة التي وجدت صداها لاحقا، وبشكل مكثف، في السياسة التي تبنتها ادارة الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش. ومنذ الإعلان عن نظرية "صراع الحضارات" ومازال عدد من الباحثين، في الغرب والشرق، ومن تيارات ومدارس مختلفة يتناولونها بالدراسة والتحليل، حيث تتقاطع وتلتقي وتفترق الآراء حول مايطرحه فيها. ثم اخذ الجدال حول هذه الفرضيات بعدا اوسع بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر العام 2001 الارهابية، التي اصابت الولايات المتحدة في العمق، ما جعل بعض الباحثين الغربيين ينظرون بمصداقية الى ماطرحه هنتنغتون. لكن هناك من الباحثين الذين تصدوا الى نظرية صاموئيل هنتنغتون، حتى بعد تلك الاحداث المأساوية، فخلال شهر يونيو، حزيران من العام الحالي 2004 صدر كتاب جديد للباحث والدبلوماسي السويدي المعروف انغمار كارلسون، بعنوان " ايمان، ارهاب ومسامحة" ليتصدى فيه للافكار التي جاء بها هنتنغتون ومفندا، ماجاء في اطروحة "صراع الحضارات".
ومعروف عن كارلسون الذي شغل مناصب دبلوماسية مهمة آخرها، منصب القنصل العام في سفارة السويد في اسطنبول، خبرته في مجال البحث في تاريخ الديانات، ومعرفته الجيدة بالعالم الاسلامي التي برزت من خلال كتاباته عن العلاقة التي تربط بلاده السويد والعالم الاسلامي، هذه العلاقة التي تعود الى ازمنة موغلة بالقدم ومن خلال عدد من المؤلفات المهمة ومن بينها  كتابه "الاسلام واوروبا، حوار ام مواجهة" والذي عالج فيه الافكار الجاهزة التي يحملها المواطن الغربي ازاء الاسلام الذي اخذ يتزايد حضوره في اوروبا ليشكل الدين الثاني فيها، من زاوية عدد المنتمين الى هذا الدين من المهاجرين القادمين من بقاع العالم المختلفة ومن بعض سكان اوروبا الاصليين الذين اعتنقوا الاسلام.
وفي كتابه الجديد " ايمان، ارهاب ومسامحة" يحلل انغمار كارلسون فرضيات صاموئيل هنتنغتون، حول "صراع الحضارات" ويدحضها، بالتأكيد على ان هذا الصراع لا علاقة له بالثقافات او الاديان او الحضارات، بل انه مؤسس على التناقضات القائمة بين الرؤى النهضوية الحديثة من جهة، والافكارالسلفية الجامدة من جهة اخرى. تلك الافكار التي توقف فيها الزمن رغم التطورات التي يشهدها العالم والكون برمته على اصعدة مختلفة. انه يقر بوجود صراع، ولكن من نوع آخر. صراع مابين التجديد، الذي يتماشى وظروف ومستلزمات وقراءات العصر، والارتداد الى النصوص الثابتة التي لم تبرح مكانها منذ عصور سالفة، صراع بين التطرف والعقلانية، بين السلفية والتجديد، كما هو صراع بين من يملكون الحكم والمصير والمستقبل وبين الذين لايملكون ارادة التغيير فيه. وهذا الصراع، كما يشير الباحث السويدي، لا يتحدد في دين، أو ثقافة، أو تنظيم، بل هو صراع ناشئ في كل واحدة  من هذه التصنيفات سواء المتسمة بالطابع الديني او العلماني أو غيرهما، كما انه لا يخص بلداً دون آخر. ويشير الباحث السويدي، على سبيل المثال الى "ان المجموعات المتطرفة في الولايات المتحدة، هي اكثر تهديدا من الجماعات الاسلامية المتطرفة".
يبدأ الباحث كتابه بآية من القرآن "وخلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" ثم يتسلسل في الافترضات التي انطلقت في الغرب حول نهاية التاريخ، مبتدئا بها من المعركة الحاسمة بين فرنسا وبروسيا عام 1806، والتي صورها البعض على انها تشكل نهاية التاريخ. ثم يأتي انتصار الثورة الفرنسية على الملكية البروسية ليشكل بداية للحرية ولمسيرة الانتصار للعالم اجمع. بعدها يمر الكاتب على مقولة الدبلوماسي والاكاديمي الامريكي، الياباني الاصل فرنسيس فوكوياما حول "نهاية التاريخ"، اذ كان ينظر في الغرب الى ان انهيار المعسكر الشيوعي  سوف يسحب معه قطار الليبرالية الديمقراطية الغربية الى النصر، ليمر به على عموم محطات العالم، هذا العالم الذي سيكون، في نظر المفكرين الغربيين، متجانسا وذا صفة اقتصادية وسياسية ليبرالية. لكن هذ لم يحصل، بل حصل شئ آخر، كما يشير كارلسون، ثم يستعرض فرضية صاموئيل هنتنغتون عن (بدعة) "صراع الحضارات" والتي سار فيها في ذات الاتجاه الذي سلكه من سبقوه، مع شئ من التراكبية في احداثيات العملية السياسية على الصعيد الكوني، او العولمي، التي  تسير برمتها في مسار جديد يدخلها في غضون مرحلة حديثة.

* نشر في المدى 4 تشرين أول 2004 التفاصيل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق