كاتبة أطفال سويدية أكبر من أي حزب سياسي
طالب عبد الأمير
تعتبر استريند ليندغرين أشهر وأكثر كاتبة مقروءة في السويد، وربما، خارجها على
الإطلاق. فقد بلغ ما كتبته المائة قصة وكتاب، ترجمت غالبيتها إلى 76 لغة من
لغات العالم المعروفة، كما تم اخراج نصوص من هذه القصص للسينما والتلفزيون،
وصلت إلى أكثر من أربعين فيلماً سينمائياً ومسلسلاً تلفزيونياً، إلى جانب عدد
كبير من المسرحيات، هذا بالاضافة إلى انها خصصت قرية صغيرة لأعمالها الكثيرة،
يلتقي فيها الزائرون الذين يتوافدون على القرية، على مدار العام، بشخوص أبطال
قصصها بكامل ملابسهم، والأدوات التي يتعاملون بها، حتى يخيّل للمرء أن هذه
الشخصيات أناس أحياء وليس دمى خشبية بملامح الشخوص التي قرأوها أو شاهدوها على
المسرح وعلى شاشات العرض السينمائي والتلفزيوني.
وإذا كان بمستطاع المعنيين،
إحصاء عدد النسخ المباعة في السويد، لواحد من أشهر كتبها وهي سلسلة قصص (ترجمت
للعربية بعنوان «جنان ذات الجورب الطويل») التي بلغت سبعة ملايين نسخة، فإن من
الصعب تحديد عدد مؤلفاتها المباعة خارج السويد، خصوصاً إذا ما علمنا بأن
اصدارات كثيرة من كتب ليندغرين تم نشرها، من دون علمها، في بلدان أخرى مثل
روسيا والصين بشكل خاص، بلغت حسب بعض التقديرات ثمانية ملايين نسخة. ونالت من
الجوائز المحلية والعالمية ما لم ينله كاتب في عصرنا الحديث، حيث تجاوزت هذه
الجوائز الخمسين جائزة منذ عام 1944. ويعدها النقاد والباحثون في تاريخ الأدب
على أنها تمثل جزءاً مهماً في حياة الشعب السويدي.
اشتهرت ليندغرين في ما كتبته من قصص للأطفال علمتهم من خلالها القدرة على
التفكير واتخاذ القرار وحتى التمرد الإيجابي، ولكن المشحون بالأحاسيس النبيلة
والتضامن ايضا، مما أسهم في تربية جيل، بل أجيال من الناس، ذوي شخصية قوية
ومؤثرة. فالأطفال الذين قرأوا قصة «جنان ذات الجورب الطويل»، في الأربعينات
واستمدوا منها الشجاعة والمروءة يعيدون قراءتها اليوم على أحفادهم، ليتواصل
تأثير الكاتبة على الأجيال، لكن شهرتها لم تتوقف عند ما أبدعته من شخصيات نفحت
بهم مزايا خاصة جمعت بين التحدي وخلق أنماط جديدة من حياة تؤسس على الصراحة
وإطلاق خيال الأطفال ليسهم في حل قضايا يعجز الكبار من التوصل إليها، بسبب
مشاغل الحياة وتعقيدها، لكن انطلاقة الكاتبة تكمن ايضا في مواقفها الإنسانية
النبيلة إزاء الآخرين. وأقل ما يقال عنها إنها صاحبة مبدأ كرست له حياتها، في
صراعها ضد العنصرية والفاشية والنازية، وفي حملاتها من أجل حماية حقوق الطفل
والحيوان، وضد الحروب وتدمير البيئة، لكن الأطفال هم في مركز أنشطة آستريند
ليندغرين الأدبية والاجتماعية. فهي التي أسهمت في تثبيت حقوق الأطفال في
القانون السويدي، وانطلاقاً من فكرتها تأسست منظمة «بريس» لضمان حقوق الأطفال
في المجتمع. ويذكر الناس إسهامها الكبير في منع إغلاق مكتبة الأطفال، بل وأكثر
من ذلك مساهمتها في إنشاء أول مكتبة عالمية في أوروبا تحتوي على أكثر من مليون
كتاب وبلغات العالم المختلفة، حصة اللغة العربية منها الأكبر، حيث تجاوز عددها
17 ألف كتاب، ثلثها للأطفال، إلى جانب تضامنها مع عدد من المهاجرين الذين
أصدرت سلطات الهجرة بحقهم قرارات الإبعاد عن البلاد، وتدخلها لدى السلطات
المعنية لمنحهم الإقامة.
في نظر المحللين السياسيين تعتبر استريند ليندغرين أكبر من حزب سياسي، إذ
أنها وبخلاف أي كاتب آخر بمستطاعها تعبئة غالبية الشعب حول قضية ما، وهي وان
لا تخفي انتماءها إلى الطبقة العاملة ودفاعها عن مصالح بسطاء الناس، إلا أن
هذا لا يمنعها من انتقاد حكومة العمال، حيث استطاعت خلال عام 1976 ومن خلال
قصة كتبتها حينئذ ان تثير حملة من المناقشات حول السياسة الضريبية للحكومة أدت
إلى سقوط حكومة الاشتراكيين الديمقراطيين في ذلك الوقت.
ولدت استريند ليندغرين عام 1907 في ناحية فيمربي في منطقة سمولاند، جنوب
غرب السويد، من أبوين يعملان في الكنيسة، تقول إنهما كانا يحبان بعضهما حباً
شديداً انعكس على نشأتها، مع شقيقها وشقيقتيها، تلك النشأة التي امتازت
بالهدوء والطمأنينة. وتصف تلك الأجواء بأنها كانت ثابتة وأصيلة بما تحيط في
منزل العائلة من أشجار التفاح ومن الناس المتماسكين الذين يملأ قلوبهم الحب
والتعاون. كان أولئك أفراد عائلتها والأقارب والاصدقاء والحيوانات الداجنة،
وهذا ما يلقى صداه في مجمل كتاباتها التي طالما نجد فيها الأطفال والحيوانات
متضامنين في عالم واحد جميل. الحيوانات الأليفة مثل البقر والماعز والدجاج يجب
ألا تسجن خلف أسوار معامل الألبان، بل يجب أن تكون طليقة في الحدائق. هذا هو
شعار استريند ليندغرين التي لم تمارس مهنة الكتابة إلا بعد أن بلغت السادسة
والثلاثين من عمرها. وحصل ذلك بشكل مفاجئ، عندما اكتشفت ان لديها ملكة التحدث
بطريقة تستقطب الأطفال، ثم أصبحت تلك الحكايات قصصاً يتلقفها ملايين الأطفال.
ومنذ أول مؤلف لها أصدرته عام 1944 بعنوان «برت ماري تيسّر قلبها» حتى آخر قصة
كتبتها بعنوان «عندما حشرت اليزابيث حبة البازلاء في أنفها» عام 1991، ظلت
ليندغرين وفية لطفولتها التي حملتها معها حتى في شيخوختها، ويكتشفها كل من
يلتقيها ويحدثها، من خلال التماع عينيها الشقيتين وتمردها المفاجئ وضحكها
الطفولي.
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق