الجمعة، 7 أبريل 2017

حين عَبرت الجسر*



طيلة الطريق من عمان الى الحلة، التي شاءت الظروف أن تكون محطتي الأولى في الوطن، وأنا شارد الذهن، مشتت التفكير. تارة أحاول لملمة قصاصات الروح التي تناثرت في المنافي لمايقرب من ثلاثين عاماً لم تطأ قدماي  خلالها أرض الوطن ولم أشم فيها نسائمه، وتارة أحاول تلمس أجوبة لعلامات الإستفهام التي ظلت تمر من بين مسامات تفكيري المتعب، من شحة النوم لأيام سبقت تلك الرحلة، الحلم، بسبب القلق والخوف من اللقاء المرتقب مع من تبقى من الأهل، وأصدقاء الطفولة والصبا. كيف سيكون شكل هذه اللقيا؟ وكيف ستكون مصافحة الأمكنة والأشياء والذكريات التي أودعتها دروب و أزقة المدينة وأغصان نخيلها، قبل الرحيل؟
على الطريق الطويل القاحل بين عمان والحلة وأنا أنوء بأحمال سنوات الغربة الثقيلة، بدأت تنهض في داخلي صورة العراق القديمة، عراق بداية ومنتصف سبعينات القرن الماضي، عراق الخير ببساتينه الزاهية بشموخ، وبكرم نهريه العظيمين، وطيبة أهله ونخوتهم. غير أن صفاء هذه الصورة تعكره الوساوس التي تدب في رأسي بين الفينة والأخرى، فتبعث في نفسي الأسى والحزن والخوف من المجهول وما قد أجده هناك، لكثرة ماصوره الآخرون عن العراق والعراقيين. اذ قالوا أنهم فقدوا أهليتهم للعيش بعد أن أذلهم حاكمهم الطاغية وأفقرهم لأكثر من ربع قرن فتغيرت أخلاقيتهم وأنسلخت منهم النخوة والحمية اللتان تعدان من صفاتهم الثابتة. ..........

*من مجموعة "ظلال على شواطئ المنفى" منشورات اوروك ميديا 2016.                                                     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق