الأربعاء، 22 يناير 2025


 من أدب الذاكرة

الفندق



*الى العم عبدالخضر  ياس الشرباجي في ذكراه  الرابعة والعشرين

طالب عبد الأمير

 


ما أن نقلت قدمي على سلالمه التى كساها الغبار، حتى إنطفأ ضوء المصباح المثبت في السقف. إذ "راحت "الوطنية". ونأياً عن أي التباس، فالوطنية هنا تعني التيار الكهربائي الذي يُورَّد من مصلحة الكهرباء التابعة للدولة. والذي بات ينقطع عن البيوت والمحال والفنادق  بضع ساعات في اليوم وفق جدول لكل منطقة من المناطق في
غالبية المدن العراقية.. والفكرة من وراء ذلك هو التقشف بالكهرباء التي بات العراق يستوردها. وقد أصبح شراء كهرباء من "مولدات" أهلية، تجارة رائجة لا تختلف عن أية تجارة في بضاعة اخرى، لا بل أهمها. لكن الفندق الذي صعدت درجاته وتربطني به حكايات ذات نكهة خاصة وراحت عنه الوطنية ليس لديه مولدة كهرباء أخرى. وكأن هذه البناية أبت إلا أن تكون وطنية بإمتياز، فتحملت قسطها مما تحمله الوطنيون.

رغم انقط انطفاء الضوء واصلت صعودي، كانت قدماي تتسابقان على درجات السلم تدفعهما غريزة الانتماء والحنين وذاكرة المكان فكل قطعة منه تعرفني، مذ كان بيتاً طينياً لم يسكنه أحد، وقد أستخدم مخزناً لمبيعات الجملة من الخضروات والفواكه وغيرها. قبل أن يحوله عمي أبو الياس الى بناء من ثلاثة طوابق. صمم الطابق الارضي ليكون مقهى ومحل تجاري وصالون حلاقة للرجال فوقها الفندق، الذي جُهزت غرفه بأسرّة من خشب الصاج ذات النوعية المفتخرة وأفرشة ناصعة البياض. كان موقعه المتميز المطل على الشارعين العام والفرعي الموصل الى بداية السوق الكبير، اوحى للعم  أن يحوله الى فندق بمواصفات راقية... لكنه لم يتوقع بأن كلفته ستكون باهضةً، حيث تطلب وضع أساسات البناء مبالغ طائلة، فضلاً عن الجهود الكبيرة التي بذلت فيه. أتذكر بأنه كلما حفر عميقا في الارض، كلما نزّت المياه من باطنها، مما اضطره الى أن يستأجر ساحبات ضحمة تعمل على الطاقة الكهربائية، يوم كانت على وفرتها، لتجفيف الحُفر وطمرها بالكونكريت المسلح بأعمدة حديدية..


كانت الماكنات تغرز مخالبها داخل الأرض لتصنع حفرأً تُصب فيها أعمدة الكونكريت المسلحة بأعمدة الشيلمان. بعد سحب المياه منها التي بلغت مقادير كبيرة ضننتها تكفي لنهر كبير. أو كما لو أن الفرات الذي يبعد بضع كيلومترات عن المكان قد غير مجراه نحوه. حتى اصبح بناءً رصيناً ثابتاً.

 

كنتُ، ورغم صغر سني، بمثابة اليد اليمنى لعمِّي أبو ياس في كل شئ ، كنت أعد له قوائم المواد المطلوبة ودفاتر الحسابات الخاص به وبأعماله التجارية، ومن ثم مديراً للفندق. أجلس الى مكتب وأمامي سجل أدون فيه اسماء وبيانات النزلاء وتلفون أرضي مصنوع من الخشب، على ما اتذكر. كان العم ابو ياس، كما كان يلقب، لم تكن، لديه ذرية في ذلك الوقت، بسبب عقم زوجته الاولى، لكنهما عاشا معاً أكثر من عشرين عاماً، حتى تزوج، بدعم منها، امرأة اخرى أنجبت منه اربع بنات وولداً واحداً أسماه علي، تيمناً بأسم  أخي الراحل علي . 


كان عبد الخضر ياس الشرباجي انساناً ذا عقلية تجارية حاذقة، عمل في كل ميادين السوق فضلا عن تمتعه بصفات انسانية عالية وطيبة قل نضيرها، شخصية محبوبة ومن وجهاء المدينة، كان مهموماً بمساعدة الآخرين، والفقراء منهم، بشكل خاص. وبالرغم من انه لم يتعلم القراءة والكتابة في صباه لم يقف عنده السن عائقاً للتعلم، حيث استأجر معلماً ليعطيه دروسا خصوصية باللغة العربية كتابة وقراءة وفي الحساب. 

الجمعة، 30 سبتمبر 2022

 

"أنسنة" التكنولوجيا وليس "تكنلجة" الإنسان!؟

طالب عبد الأمير

يفترض أن تُزود آليات التطور التكنلوجي بشحنات إنسانية تجعل الحياة أكثر أماناً وحيوية.، وليس العكس بنزع إنسانية الانسان وجعله أداة من ادواتها. والسبب بسيط جداً، ذلك لأن الانسان يشكِّلُ  ، جوهر  النمو والتطور الذي وصلت اليه البشرية على مر الأزمنة والعصور. إذ جاءت هذه الإنجازات بفضل ذكاء الانسان الذي صقلته الآلة التي اكتشفها هو، بعد أن تحرر من أسر الطبيعة بكل ما يكتنفها من أسرار وظواهر. لم يجد، في البدء تفسيرات لها فنسبها الى الغيبيات، الى الميتافيزيق . لكنه بعد أن أستطاع التعرف على قدرته الكبيرة، على التفكير والادراك والتعمق فيه، والذي جسّده في علوم عصر النهضة و التنوير، تم اختزال المسافات الزمانية وصولاً الى الرقميات والذكاء الاصطناعي الذي يمثّل حتى الآن ذروة ما توصل اليه العقل البشري.

أن وراء التسامي بالمعارف والعلوم الذي يمتد مساره عبر قرون عديدة، ثمة عالم متحرك، يبدأً من أصغر حبة رملٍ في أقاصي هذا الكون، المترامي، الى آخر جزيء بتركيبة كيميائية، في انبوبة مختبر، تنتظر دورها لتأخذنا الى مسار جديد من مسارات النمو الحلزوني للمعرفة الذي يتوصل معه الإنسان منذ قرون بعيدة.  بعدما أزاح منقبو الآثار غبار الأزمنة عن بوابة المعرفة. ودخلوا من خلالها الى عالم قديم عمره آلاف السنين، عالمٍ مركب من ألواح طينية نقشت عليها معادلات حسابية معقدة، لكن بأدوات بسيطة. فمن هنالك بدأ المنطلق. وهناك كمنت التفاصيل.

ثم تراكمت المعرفة، وتعددت مساراتها و منعطفاتها، حتى وصلت بيت الحكمة، وخرجت منه بأركان العالم الرقمي في عصرنا هذا، حيث كان محمد بن موسى البغدادي، الملقب بالخوارزمي قد أوجد نقطة تلاقي هذا العالم وتفاعلاته، وأكد على أن لكل شيء في هذا الوجود قيمة، حتى الصفر.

الخوارزمي أب الحاسوب - الكومبيوتر والشبكة، الذين شكلا أساساً مهما للثورة الصناعية الرابعة، حسب التصنيفات الجديدة  لإفرازات التطور الذي نقل البشرية من  حال الى حال، رغم أن الزمن يمتد بينهما مئات السنين. حدثت خلاله ابتكارات مهمة كثيرة وأساسية شكلت بنية عالمنا الإفتراضي، هذ العالم الذي خلقه الإنسان وراح يسعى بشكل حثيث الى تطويره بإيجاد آليات جديدة، يجري تجديدها في منعطفات مصيرية خلال مسيرة الزمن نحو المستقبل. وليس العالم الافتراضي فقط من شمله التغيير، بل وحتى عالمنا المادي الذي عاش فيه البشر حفنة من الدهور، تعرض وما يزال الى زلازل التغيير، الذي تجسدت دلالاته في كثرة "الما بعديات"، والتي تعني التجاوز الزمكاني للظاهرة المعينة، وهي تحمل بعداً فلسفياً يسميه البعض تناحر المفاهيم: منذ ما بعد الطوفان، وما بعد الحداثة، ما بعد العولمة...وما "بعد الإنسانية"..

 

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2022

قضايا

تفعيل المجتمع المدني عامل أساسي في بناء الدولة المدنية الديمقراطية

طالب عبدالاميرفي كل مراحل التاريخ الانساني، التي تلت المرحلة البدائية، او بعد انتقال الانسان من الفطرة الى المدنية، لعبت منظمات المجتمع المدني دوراً أساسيا في نهضة الدول وتقدمها، وعبرت بها من بحر التخلف والايمان بالخرافات وغيرها الى مستويات عالية من التقدم والازدهار، ومازالت منظمات المجتمع المدني في اوروبا، تلعب دورها هذا حتى في الدول التي رسخت انظمتها الديمقراطية، وانتقلت بها الى مجتمع الرفاهية، كما هو الحال في السويد على سبيل المثال، إذ تبدلت وظائف هذه المنظمات، بما يتناسب وسياق التطور التاريخي، السياسي والإقتصادي في هذه البلدان، التي انتقلت من بنية سلطة كانت تقودها النخب، وتتحكم في مفاصلها وفق تقاليد موروثة تعتمد على الغيبيات والتقديس الى دول مدنية، ديمقراطية تعتمد اساساً على المجتمع المدني في تنفيذ وظائفها.

ولو عدنا الى نشأة الدول لوجدنا انها ارتبطت أساساً بوجود مجتمع، اذ لا يمكن الحديث عن بناء دولة، أي كان شكلها، دون أن تكون لها أرضية وركائز مجتمعية أساسية تستند عليها. وعبر التاريخ نشأ وتطور مفهوم الدولة، باعتبارها ظاهرة إجتماعية، انطلقت على أساس  التطور المجتمعي للإنسان، مذ أن تحرر من ارتباطه بالطبيعة، حيث كان يعتبر جزءاً منها، فأصبح يخضعها الى احتياجاته وتطوره الى كائن اجتماعي، تطلب منه ان يكون فرداً ضمن مجموعة نمت لتصبح مجتمعاً،  فبرزت الضرورة لتنظيم حياته اليومية، وإدارة فعالياته. فأُنشأت الدولة. لكن المجتمع كيان حي متطور، تتبلور صفاته من احتياجات الانسان وتطلعاته، وبالتالي مصالحه. وفي سياق التاريخ برزت أشكال جديدة للعلاقات والتناقضات وتعدد واختلاف المصالح أدت الى تشكل فئات طبقية وسياسية مختلفة، أفرزت خلال عملية الصراع فئات سيطرت على مفاصل تنظيم المجتمع، بل وعلى الفئات الأخرى، فاصبحت الدولة أداة لتنظيم عملية هيمنة القوى المسيطرة سياسيا وإقتصادياً ومن ثم اجتماعياً.


"الشاعر الذي فتحت لنا قصائده طريقا نحو الحقيقة"



وقت النشر måndag 30 mars 2015 kl 14.43

طالب عبد الأمير

اهتمت وسائل الاعلام في العديد من مناطق العالم، ومنها في العالم العربي برحيل الشاعر السويدي المعروف توماس ترانسترومر، الحائز على جائزة نوبل في الأدب العام 2011، الذي وافته المنية ليلة الخميس الماضي عن عمر ناهز الثالثة والثمانين.

في السفير اللبنانية كتب الشاعر عباس بيضون من ان تراسترومر اكثر من شاعر، "فما يحدثه فيك نصّ ترنسترومر هو أحساس عميق بالمغامرة، أحساس شبه جسدي كتلك القصيدة التي يروي فيها الشاعر انه استيقظ على مقعد سيارته وبقي وقتاً لا يعرف نفسه. مع ذلك في هذا الشعر قيم كبيرة ضامرة فيه، كما ان فيه حساً يتردد بين عادية مفرطة وبين سمّو أخاذ".

صحيفة الدستور الاردنية لقبته بأمير شعراء السويد، و شبكة الاعلام العراقي وصفته بشاعر الفجر وموسيقى الوجود. فيما كتبت صحيفة دوت مصر على النت تحت عنوان "عندما تصفق الواحدة" اشارة الى ان الشاعر الراحل كان يكتب ويعزف الموسيقى بيده اليسرى فقط!، بعد ان شُلت اليمنى، بعد جلطة دماغية قبل اكثر من عقدين من الزمن، اقعدته عن السير ومنعته من النطق. ترانسترومر كسر المثل الذي يقول "اليد الواحدة لا تصفق".

يعد ترانسترومر اكبر شاعر سويدي معاصر، ذاع صيته في العالم، نال جائزة نوبل في الأدب، العام 2011، بعد ما يقرب من اربعة عقود من منحها لعام 1974 الى كاتبين سويديين وهما ايفيند يونسون وهاري مارتينسون، مناصفة.

ولد ترانسترومر في الرابع من ابريل، نيسان العام 1931 في ستوكهولم من أب صحفي ومحرر صور وام معلمة في مدرسة شعبية، وقد انفصل الأب والأم مع بداية عمره، حتى انه لم يلتق بوالده طيلة حياته سوى مرة واحدة.
في صغره بدأ توماس ترانسترومر بمحاولة اكتشاف العالم، عبر الطائر الذي رسمته الكاتبة سلمى لاغرلوف، في روايتها الشهيرة "رحلة نيلس هولغرسون الرائعة عبر السويد" حيث ظل يتابع بعينيه خارطة العالم وجغرافية البلدان، حالماً بان يكون رحالة. لقد كان مهتما بقراءة كتب المعلومات والمعارف اكثر من قراءة الشعر الذي بات بارعا في صياغته، وقد بدأ ينظمه وهو الصف الثاني متوسط، واصدر اول مجموعة شعرية بعد ان بلغ 23 عاماً من العمر، حيث كان على مقاعد الدراسة الجامعية متخصصاً في تاريخ الاديان، رغم انه لم يكن ميالا الى الدين ولم يُعمّد في كنيسة، ذلك لأنه لم يجد دينا يؤمن به، كما عبّر ذلك في احدى المرات، في احد اللقاءات، فتوجه الى تعلم الموسيقى والعزف على البيانو بديلاً.
الموسيقى تصبح لاحقاً موضوعة متكررة في شعر ترانسترومر وجزءا من حياته، خاصة بعد ان فقد قدرته على النطق والحركة اثر جلطة دماغية شلت نصفه الايمن، منذ اكثر من عشرين عاما مضت.

قبل ان يتفرغ للشعر ويمتهنه تماما، عمل ترانسترومر في اصلاحية لأعادة التأهيل كمعالج نفسي، كما عمل في نفس المهنة بمعهد سوق العمل. عمله في المجال النفسي الاجتماعي وحبه للموسيقى ودراسته لتاريخ الاديان منحته هذه التركيبة شعراً هو بمثابة "صلاة علمانية" حسب احدى الدراسات الجامعية عن شعره ترانسترومر.
منذ صدور مجموعته الشعرية الاولى العام 1954 والتي عنونها بـ "17 قصيدة" اعتبره النقاد مشروع شاعر واعد. وهو شاعر يكتب قصيدته بتأن وروية، يرى القصيدة في اكتمال بلوغها، وقد اعتاد ان يقول عن نفسه، في بعض الاحيان، بأنه " شاعر لم ينضج بعد"، فيما ذكر الكاتب بير فيستبيري بأن ترانسترومر وخلال أربعين عاما، ظل يكتب بالمعدل كلمة في اليوم الواحد، ولكنه في نفس الوقت يمكن ان يكتب قصيدة من 200 صفحة، أي مايعادل رواية كاملة.

غالبية المتابعين لشعره يلحظون تشابكاً بين اللغة والواقع، او الحقيقة، ان صح التعبير، كما يتلمس ميلاً الى النطق بلغة الجمع، اذ يكثر ترانسترومر من استخدام ضمير " نحن" ويقل من استخدام "الأنا"، على الاقل في قصائده الاولى.
واحدة من اكثر المسائل اساسية في تعامل الشاعر مع ادواته الشعرية هي اللغة، لكن علاقة هذه الاداة بتوماس تروانسترومر لاتخلو من تعقيدات، اذ يأتي، احياناً، مفهوم " كلمات" في سياق ما بقصيدة توماس ترانسترومر مغاير تماماً لما يعنيه بمفهوم "اللغة"،
في قصائده يختار ترانسترومر لغة خاصة مشحونة بالاستعارات التصويرية، تمكن القارئ من تهجىء كلمات الحقيقة. كما وصفت دراسة عن شعر ترانسترومر.

لم يكن الشعر وحده يشغل عالم ترانسترومر، بل وكذلك الترجمة الأدبية التي اهتم بها، اذ البس عددا من القصائد الاجنبية لبوسا سويدية. فهو لايضع حدا فاصلا بين الشعر المترجم والشعر الأصل، بل يعتبر الشعر بلغته الأصلية ترجمة بحد ذاتها.
فهو لا يؤمن بوجود حدود بين فضاءات اللغات، طالما ان سمة القول الشعري تحمل صورا تعبر عن خلجات ومعايشات لا تنتمي الى بقعة جغرافية محددة. كما " أنه من خلال صوره العميقة المكثفة يمنحنا طريقا نحو الحقيقة"، حسب تعبير الاكاديمية السويدية في معرض اعلانها عن منح الجائزة لتوماس ترانسترومر العام 2011.

ترانسترومر ترجم الى لغات عديدة جدا ومنها العربية. الاولى كانت للشاعر علي ناصر كنانة لمجموعة شعرية واحدة لترانسترومر، في العام 2003 هي " ليلا على سفر". ولكن في 2005 صدرت المجموعة الكاملة لقصائد ترانسترومر بالعربية بترجمة قاسم حماده واشراف الشاعر ادونيس
كان احتفال مهم اقيم لترانسترومر وزوجته في دمشق وبيروت وقتها على شرف اصدار المجموعة باللغة العربية، عادا منها ممتنين للحفاوة التي لقيهما.

طالب عبد الأمير

* إذاعة السويد بالعربية 

 


الأربعاء، 4 مايو 2022

رواية «سويج الدجة» لرحمن خضير عباس

 

رحلة الذاكرة إلى مدينة الطفولة بعد 5 عقود

طالب عبد الأمير

 جريدة الشرق الأوسط \الثلاثاء - 25 شهر رمضان 1443 هـ - 26 أبريل 2022 مـ رقم العدد [ 15855]

للكاتب رحمن خضير عباس، صدرت أخيراً رواية «سويج الدجة» عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وهو يسرد فيها سيرته الذاتية، أو بالأحرى سيرة المدينة التي ترعرع فيها، قبل أن تعصف به، وبالكثير مثله، الرياح العبثية المدججة بأسلحة السلطة البعثية فتدفع به أشرعة الرحيل إلى موانئ المدن الغريبة.
ورغم أن المؤلف، لم يقدم عمله كسيرة ذاتية، أو سيرة مدينة، كما كتب في مقدمته لأن هذا «عمل المختصين» فهناك ما يوحي، بالنسبة إلي على الأقل، إلى أنها واحدة من حكايات المدينة التي عاش فيها طفولته. وهذا بحد ذاته يعتبر مهمة صعبة يتصدى لها أي كاتب، أو ربما تعتبر 

من أصعب المواقف التي يكون فيها الإنسان شاهداً، بل ويكون مطمئناً من أن شهادته حقيقية»، كما قال مرة الروائي الراحل عبد الرحمن منيف.
يسبر عباس تفاصيل مدينته «سويج الدجة» المبهمة بالنسبة للقارئ، خاصة أن اسمها غير مألوف للكثيرين، وربما تعود جذور التسمية إلى السومريين - سومرية، فهي لا تبعد كثيرا عن بقايا بلاد سومر العريقة. وهو حينما يتحدث عن المدينة، التي تبدل اسمها عدة مرات وتحولت من ناحية إلى قضاء، لا يعني فقط شوارعها المتداخلة بين البيوت والأحياء والنهر الذي يمر في جسدها، بل وأناسها الذين يرتبطون بعلاقة جدلية معها، وعن شخصيات أسهمت في خلق ذاكرة المدينة، عاكساً لنا من خلال ذلك من خلال ذلك العلاقة المتبادلة بين الإنسان والمدينة

إن تناغم السرد بين السيرة الذاتية للكاتب وسيرة المدينة، أمرٌ مألوف عند الذين تناولوا علاقتهم بالكيانات الجغرافية والاجتماعية التي احتضنت طفولتهم. وبالطبع، لا يمكن الفصل بين الاثنين، لكن الاختلاف يكمن في التفاصيل وكيفية سرد حالات معينة يجري فيها تغليب الحديث عن فضاءات على أخرى.

ورغم اختلاف زوايا الرصد لتلك الأحداث التي منحت الكاتب إمكانية معايشة صيرورتها أو حتى المساهمة فيها نظراً لتغير البشر في الزمان وحركة الأمكنة، وتحوله بعدئذ إلى تقمص دور المُستطلع لما جرى ويجري فيها، منحنياً «على فوهة بئر عميق عمره عشرات السنين»، إلا أنه يحاول أن «يصفي مياهه بعينين أجهدهما الغوص في المديات». ولكي يكون دقيقا في الوصف استعان الكاتب بمجايليه من أبناء المدينة، من الذين ما زالوا يعيشون فيها أو بالقرب منها، لمعرفة بعض التفاصيل التي تسربت من ذاكرته بعد أكثر من خمسة عقود من فراقها. وفي الحقيقة، إنه، عبر السرد ذي الإيقاع الهادئ، لا يستحضر الذكريات، وإنما هو يعيد صداها المرتد عن حياة المدينة، التي مضت ولن تعود إلى الأبد.
هو لا يتذكر متى انتقل إلى «سويج الدجة» مع عائلته، لكنه يستطع أن يصف بيتهم المشيد فيها من الطين. البيت الملاصق للشارع الترابي المؤدي إلى الناصرية بتفاصيل دقيقة لا ينسى منها حتى نوع الخشب الذي صنع منه الباب. بل وحتى «التنور» الطيني الذي «تسجره» الوالدة بالحطب، ثم تحول «شنك» العجين إلى خبز طازج. لقد وظف الدلالات والمفردات التي أخذها من بيئتها المحلية ليكون دقيقاً في وصف الحالة التي كانت تعيشها عائلته وبقية العائلات التي تسكن بيوت الطين، فصنع من هذه المفردات التي استنطقها من صمت الماضي أدوات لذاكرة المدينة وذاكرة الناس فيها، ليقرأ فهي في ثناياها طبيعة التبدلات في أحوالها وأحوالهم والتفاصيل التي تركت لمساتها وما تحتويه من تشابهات واختلافات، بل وحتى تناقضات في العلاقة بين البشر، بعضهم البعض، وفيما بينهم وبين المدينة من خلال السرد الذي قد يسمى مجازاً بالروائي السير - ذاتي.
فالوالد، الذي انتقل بعائلته إلى هذه البلدة الصغيرة أملاً بالترقية الوظيفية، تضيع فرصته بقدوم شخص يدعى علي الريس، (أبو حازم)، من مدينة بعيدة أخرى ليسكن في «سويج الدجة» حاملا لتلك الصفة الوظيفية التي كان يحلم بها خضير عباس والتي انتقل وعائلته من أجلها. ولكن هذا الأمر، الذي سبب لعائلته الأسى والألم، لم يؤثر البتة، على طبيعة الوشائج والعادات السارية في مثل هذه المناطق. إذ ورغم أن الريس كان بمثابة الند لخضير عباس لكونه تسبب في حرمانه من الترقية، فإن هذا لا يمنع من أن تكون أجواء العلاقات الاجتماعية طيبة بين العائلتين. «بيت علي الريس الذي حرم أبي من الترقية، غير بعيد عن بيتنا، لذلك فنتبادل الطعام في الأماسي الرمضانية». يقول الكاتب رحمن خضير عباس.
هذه الدلالة نجدها تتكرر عندما يتحدث الكاتب عن السينما المتنقلة حينما عرضت فيلم سعيد أفندي: «لم ينس أهل المدينة حينما عرضت تلك السينما المتنقلة فيلم سعيد أفندي. والذي يتحدث عن معلم يسمى سعيد، يبحث عن دار للإيجار. بعد أن طرده صاحب الملك، وبعد جهود يؤجر - أو كما يقول هو «يكتري» وذلك لتأثره بمفردات من اللهجة المغربية - دارا في منطقة الحيدرخانة ببغداد، حيث الحي المكتظ بالسكان، وكانت العلاقة بينه وبين جاره الإسكافي بين مد وجزر، نتيجة لشقاوة الأطفال. وقد حدثت بينهم الكثير من المشاكل، مما حدا بسعيد أفندي أن يقاطع جاره الإسكافي، «ولكن الطيبة بين الجيران تتغلب على عوامل الشر»، كما يقول الكاتب.
كل سيرة، ذاتية أو كتابة عن ذاكرة مدينة لا بد لها أن تمر عبر المدرسة، هذا العالم منفتح على الدلالات. يحدثنا عباس عن مدرسته المختلطة للبنات والبنين، وعن التلامذة الذين يأتون إليها من قراهم المتناثرة في الريف، والذين يتميزون عن أبناء المدينة «فهم يأتون إلى المدرسة قاطعين المسافات الطويلة، هم أكثر جدية منا نحن أبناء المدينة، فعلامات النجاح والتقدم تُحرز من قبلهم أكثر منا وكذلك الألعاب الرياضية، مما يجعل أهلنا يشعرون بالاستغراب المشوب بالغيرة والحسد من هذه الظاهرة».
ومن بين ثنايا السرد الذاتي يأخذنا الكاتب إلى الفضاء الأشمل، إلى الوطن والمنعطفات السياسية وتأثيراتها على المدينة. يحدثنا عن «قطار الموت»، وانقلاب البعثيين في «شباط الأسود» عام 1963. والانتفاضة المسلحة التي قامت بها مجموعة من الشيوعيين في أهوار تلك المنطقة القريبة من «سويج الدجة» ضد حكم البعثيين. فيفرد لها الكاتب فصلا من كتابه وهو (الفصل الحادي والعشرون) ليختتم به الحديث.
ومن خلال السرد يعرفنا، على طارق السبهان، أحد أبطال المدينة، منذ ولادته وحتى استشهاده بطريقة مأساوية، «على الطريق الرملي الذي يربط الناصرية بالبصرة، حيث وُجِدَت جثة مرمية على الرمل: كانت ملامح القتيل غير واضحة، ويبدو عليها هزال التجويع والتعذيب الذي طرز جسده النحيل بالكدمات، قبل أن تخترق صدره خمسُ رصاصات وتتوغل في جسده، فتحرق دماءه التي ظلت تتدفق من خلال ثقوب القسوة المرعبة، لتكون بركة من الدم، تتغلغل في التربة الصحراوية...».

السبت، 11 ديسمبر 2021

 

متاهات

..... كنت اقرأ بالكتاب كما لو أنني في مهرجان شعري القى فيه قصيدة نثر. وقبل أن تذوب في الافق آخر كلمة ترددت في الفضاء ثم تلاشت في الأثير، داهمتني من جديد سِنةٌ من النوم.
وقبل أن أفتح عيني شعرت بيدٍ تمتد الي حاملة بساطاً منسوجاً من قطع قماش مختلفة الالوان والاشكال. لم يكن البساط الذي كانت الريح تهدهد أطرافه غريباً علي، ربما رأيت مثله في طفولتي. اعرف أن اسمه "جودلية" في لهجتنا العامية. جلست على البساط فحلق بي قليلاً، ثم هبط بي نحو الوادي، الذي حينما بلغت قاعه واجهني جذع شجرة عملاقة تمتد جذورها عميقاً في الأرض. كان الجذع إمتداداً لشجرة المعرفة. لكن هذا الجزء من الشجرة العملاقة يختلف في شكله عن جسمها الباقي في الأعلى، إذ تزينه الأضواء البخيلة الراعشة، كما في صالات الرقص في الديسكوهات. ليس هذا الجزء من جذع الشجرة العملاقة وحده المضاء بالالوان، بل كان كل شئ مضاء في هذا المكان الذي لا يشبه الوادي الاعتيادي. وإنما هو عبارة عن مدينة كبيرة ببناياتها وعماراتها الشاهقة. بشوارعها المتداخلة ببعضها والنظيفة حد المبالغة.
للحظة شعرت بذات اليد تأخذ بي وترفعني عن الأرض فتصطدم عيناي بشاشات ضخمة تحمل علامات شركات تقنية المعلومات العملاقة، جميع الشركات العاملة في مجال تقنية المعلومات. ووسائل (وسائط) التواصل الاجتماعي والجماهيري. كنت قد سمعت عن هذا المكان أكثر من مرة. فقد قيل أن وادي السيليكون كان حتى فترة نهاية سبعينات القرن الماضي مكاناً تكثر فيه الخضرة والطبيعة. وكان أغلب سكانه من العاملين في مجالات الفلاحة والزراعة، ومن ثم تحول الى مكان مختص بالتقنيات الحديثة.
يقطن في الوادي حوالي مليونين ونصف المليون نسمه.. غرقت في لجة الاضواء، وشعرت نفسي طيراً يستحم في سمائها، وقد إختفت اليد التي كانت تمسك بي. فتولد في داخلي احساس بالحرية. .
 لست أدري من أين جاء هذا الصوت الذي يشبه الأصوات المألوفة والذي تاه وسط حالة الدهشة التي كنت أعيشها في تلك اللحظات. إذ وأنا وسط الشاشات المضاءة بألوان مختلفة، شاهدت حركة غير طبيعية بين الناس، في الممرات والشوارع. حركة لولبية من أشخاص يضعون على أفواههم و أنوفهم كمامات لحماية أنفسهم مما اعتقدته  غازاً انتشر في الهواء، أو مرضاً معديا انتشر في الوادي، على حين غرة. كانوا يسيرون مسرعين باتجاهات مختلفة.
حاولت أن أسال أحدهم حول مايجري، لكن هذا إبتعد عني مسافة أمتار وهو يقول بصوت خفيض.
-          انه الفيروس. الفيروس.
-          عن اي فيروس تتحدث؟
سألته بصوت عال، لكنه لم يسمعني، أوتصنع عدم سماعي، فقد بلغ الجانب الآخر من الشارع ثم تلاشى في الضباب. توقعت أنه يقصد فيروس جديد من تلك الفيروسات التي تصيب أجهزة الكمبيوتر، فتعطل فاعلية البرامج المستخدمة فيه.
إذا كان الأمر كذلك فلماذا إذنً كل هذه الضجة؟ فهذا ليس شيئا جديداً وليس من الصعب مقارعتة، طالما هناك شركات تصنع برامجاً مضادة؟
لم يسمع أحد سؤالي، ولا حتى تعليقي عليه. فقد بات الكل يبتعد عن الآخر مسافات أصبحت بعيدة جداً. لذلك ضاع السؤال وتلاشى في الفضاء.
لوهلة شعرت بغثيان وارتفاع درجة حرارة جسمي.. قدماي لم تعدا تستطيعان حملي. ناديت بأعلى صوتي، لكن الصوت سقط أمامي، بين قدمي، وغبت عن الوعي. ثم طغى سكون على المكان وفي رأسي.
لست أدري كم مر من الوقت حتى أفقت من غيبوبتي بعد أن سمعت رنينه في رأسي. وأنا مستلق على سرير طبي،  وحيداً في غرفة نوافذها مغلقة، وستائرها مسدلة. كانت الغرفة مجهزة بأدوات التنفس الإصطناعي وقياس الضغط وتخطيطات القلب والمغذي وغيره من الأدوات التي تستخدم في المعالجات الطبية.
-          ماذا جرى؟ لماذا أنا هنا؟ وأين لصيقي.
تحسست جسمي محاولاً مد يدي اليسرى اليه كما اعتدت حين افق من النوم. فشعرت بثقلها.
يا إلهي، ماذا جرى؟ 
وحين تطلعت وجدتني أمسك بالكتاب الضخم  الذي اشتريته من المتنبي، ولكن لا أثر لصاحبي، لصيقي. انتابني القلق من مجرد التفكير بفقدانه. أخذت أصرخ بصوت عال وقد مر في مخيلتي أن هناك موعداً لإقلاع الباخرة، لمواصلة الإبحار. لكنني لم اعد اتذكره تماماً، لا الوقت ولا المكان. كما لا أتذكر متى وكيف حصل كل هذا الذي حصل.
في تلك الاثناء دخل الى الغرفة كائن بدا من هيئته وكأنه إنسان آلي قادم من الفضاء الخارجي، فاجأني بأن تحدث بصوت نسائي ذكرني بصوت أعرفه لكنني غير قادر على تمييزه.
-          كيف حالك الآن؟ سألني الكائن الغريب.
-          لا ادري، اعتقد انني بخير، لدي أحساس بأني فقدت شيئاً يشكل جزءاً مني. ولكن اين انا وماذا جرى؟
-          أنت في مركز المعالجة من الأمراض الوبائية. جاؤا بك الى هنا لمعرفة إن كنت مصاباً بفيروس يطلق عليه اسم كورونا.

-          ماذا يعني ذلك، فأنا لم اسمع أو أقرأ عن فيروس اسمه كورونا. من اين جاءني؟
لاحظ الكائن الفضائي، شرودي فناداني بإسمي. تنبهت اليه يتطلع الي، ربما مستفسراً عما كنت افكر به. فأردت أن أقول له انني حلمت بذلك. ولكن رغبة مني في معرفة من يكون كانت اقوى. فلملمت ما أملكه من جرأة وسألت الكائن الماثل امامي بشكل مباشر، إن كانت هي من باعتني كتاب التاريخ في شارع المتنبي؟ لم تتأخر الفتاة كثيراً بالرد:
-          نعم، أنها أنا. 
مقطع من كتاب طالب عبد الأمير" أسير المفاتيح السبعة" الصادر  العام 2021*

السبت، 4 ديسمبر 2021

 :كتب وإصدارات


شذرات" كامل الركابي.. قصائد متمردة سريعة البوح              

منذ فترة والشاعر العراقي كامل الركابي منصرف الى كتابة القصيدة القصيرة المختزلة، ذات النبرة السريعة التي تستمد صيرورتها من إيقاع الحياة اليومية ونبض الواقع والاحداث المتلاحقة التي يحاول الشاعر الإمساك بها للتعبير عنها بأدوات فنية تتلائم وطبيعتها.

هذه القصائد التي دأب الشاعر على نشرها بشكل متواصل، إختار بعضاً منها في كتاب صدر له مؤخرا عن دار الرواد المزدهرة في بغداد بعنوان "شذرات". والشذرات هنا يُقصد بها القصائد القصيرة المختزلة ذات الإيقاع السريع:

حقل حبك / جمر / مزروع برماد

وروحي سنبل/ مايبس / بعد الحصاد!

او هذه القصيدة:

انت مثل الفطر / نابت بالطبيعه

كل خريف / إيذّكر الناس / بْربيعه !

وهذه تجيئ خلافا الى ما اتسمت به قصائد مجموعته السابقة التي اصدرها في العام 2008 بعنوان "فوانيس" والتي تتسم بنبرة ذات إيقاع هادئ، واسترسال سلس، يمر بها على المساحات المظلمة ليضيء عتمتها. فالشذرات،  كما قرأتها، تشي بنضج التجربة التي بدأها الركابي في شعر العامية، منذ منتصف سبعينات القرن الماضي بأصدار مجموعته الشعرية الأولى "الکمرة وسواليف النهر" في العام 1975.



لکن قصائده ورغم اختلاف أنماطها ثمة خيط رفيع يغزل نسيجها. وهذا الخيط يكمن في استخدامه أدوات الحكاية في الشعر. فمعظم قصائده يتناول فيها موضوعة معينة بصورة السرد المكثف جداً. وربما اذهب بالوصف الى ابعد من ذلك لأقول أن قصيدة كامل الركابي تشبه في بعض جوانبها القصة القصيرة جداً. وهذا ربما يفسر ما ذکره لنا الشاعر نفسه عن محاولاته، سابقا، في كتابة القصة، وعزوفه عنها بسبب عدم تمكنه من التحكم بادواتها الفنية، غير أن جوهر القصة القصيرة و شكلها وبنائها الدرامي ظل حاضراً في القصائد.

الشاعر يتفنن خلال مرحلة تكوين قصيدته في مد معاني كلماتها بشحنة من الدلالات التي تأتي بأيقاع هارموني تلقائي. بمعنى انه بعد أن يلتقط الفكرة ويزرعها في جسد الكلمات، يترك القصيدة تسير بانسيابية تلقائية. بل واحيانا تتمرد القصيدة على شاعرها. فهو يقول:

چنت أخاف/ أكتب قصيده / وهسه/ هيّ اليوم / تكتبني/ وتخلّيني / بالف صفنه / وتروح

چنت أفكّر / بالمعاني / الكلمات / وهيّ ما همها / بسطر واحد  تبوح

المختبي / المخزون / من صرخة الروح!

كامل الركابي الشاعر الذي نهل الشعر من منابعه وأخذ من تجارب شعراء سطعت نجومهم في سماء شعر العامية العراقي، وفي مقدمتهم الكبير مظفر النواب، وضع لنفسه "لكنْةً" خاصة به تفرد في تغريدها. فقارئ القصيدة يتخيل كيف يلقيها الشاعر بصوته بطريقة تلامس الإحساس بما تريد البوح به، بعفوية وبساطة. 

اذن هو يأتي بالفكرة ويصيغها في كلمات، ثم يترك لها اختيار الطريقة التي تظهر بها. لذا تجدها أحيانا تأتي بوزن وقافية وفي أحايين أخرى مفتوحة غير مؤطرة، أو حتى تجئ على شكل نص نثري طويل.

صيرورة القصيده هنا لا تظهر منتوج صياغتها، بمعنى آخر أنها لاتصاغ بل تأتي بتلقائية.

وبخلاف عديد من شعراء العامية العراقيين الذين يستخدمون المفردات العميقة، لبيئة الجنوب، وتلك غير المتداولة التي يطلق عليها الحسجة، فأن لغة قصيدة كامل الركابي اقرب الى لغة الصحافة، التي يعتبرها البعض لغة وسطية بين الفصحى واللهجة الشعبية، اليومية الدارجة في المدينة. والسبب في ذلك، كما يؤكد لنا الشاعر الركابي، أنه لم يعش أجواء الريف، كما انه غادر بيئته الى بلدان أخرى، بوقت مبكر، حيث تجربته الشعرية لم تنضج او تتحدد ملامحها بعد. كما وجد لزاماً عليه أن يتماشى مع لهجات ومفردات عربية أخرى، حين اضطرته ظروف بلاده السياسية، كما هو حال الكثيرين من مثله من الأدباء والفنانين الذين قارعوا النظام الدكتاتوري ولجئوا الى بلدان المنفى والعيش والتغرب فيها سنوات طوال بعيداً عن جحيم السلطة التي حاربتهم بكافة الأساليب القمعية..

السبت، 28 أغسطس 2021

 

روائية سويدية من اصل عراقي 

في لجنة «ليندغرين» العالمية لأدب الأطفال

الجائزة الثانية بعد «نوبل» وتُمنح لأفراد وأصحاب مشاريع ومنظمات
الثلاثاء - 19 ذو القعدة 1442 هـ - 29 يونيو 2021 مـ رقم العدد [ 15554
ستوكهولم: طالب عبد الأمير

 طالب عبد الأمير
 13062021

إختار مجلس الثقافة السويدي الروائية بلسم كرم، من اصل عراقي لعضوية لجنة جائزة آستريد ليندغرين  العالمية في أدب الأطفال والمعروفة اختصارا بآلما

 Astrid Lindgren Memorial Award ِALMA) ) في ذكرى كاتبة الاطفال  السويدية الشهيرة.

وتعتبر هذه الجائزة الأكبر في أدب الاطفال عالمياً  والارفع بعد جائزة نوبل في الادب.

وتضم لجنة الجائزة التي تأسست من قبل الحكومة السويدية في العام 2002، وهو العام الذي توفيت فيه كاتبة قصص الاطفال آستريد ليندغرين، اثني عشر عضواً من خلفيات  اختصاصية مختلفة، كتاب ورسامين وباحثين في علوم الادب والاجتماع وخبراء في حقوق الاطفال وغير ذلك.

ولدت بلسم كرم في طهران من ابوين عراقيين هجّرهما نظام صدام حسين، بحجة التبعية الى ايران ضمن الحملة السيئة الصيت، التي طالت الآلاف من العوائل العراقية، بداية ثمانينات القرن الماضي. ثم انتقلت مع عائلتها الى السويد وهي في سن السابعة. وبعد أتقانها اللغة السويدية، دخلت بلسم معترك النشاط السياسي والاجتماعي. وفي ذات الوقت إنصب إهتمامها على قراءة القصص والروايات، ساعدها في ذلك حصولها على عمل في احدى المكتبات، تقول بلسم كرم خلال لقائنا معها:

-         خلال تلك الفترة تولدت لدي فكرة لكتابة قصة، فحاولت البحث عن امكانية لتحقيقها فاشتركت  في دورة تدريبية لتعلم فن التأليف وكتابة القصة، لكن ذلك لم يساعدني كثيراً لتحقيق ما اريده. كما أن طموحي لا يتوقف عند رغبة الكتابة، بل وايضا في لمعرفة الادب، لذلك درست في جامعة غوتنبرغ في برنامج التكوين الادبي ونلت منها بعد سنتين شهادة الماجستير في المجال الابداع. هذه الدراسة منحتني امكانية البدء لكتابة قصة طويلة، لكن هذه القصة اخذت وقتاً طويلاً، بسبب انهماكي في العمل بالمكتبة العامة بدوام كامل. وما بين فكرتها الاولى في 2005 وحتى انجازها واصدارها رواية في العام 2018 مر وقت طويل، رغم اني لم اكتب طيلة الوقت، بطبيعة الحال، ولكن بصورة متقطعة. تركتها فترة ومن ثم عدت اليها.

عند صدورها في العام 2018 بعنوانا اللافت وهو "أفق الحدث" شغلت هذه الرواية الاولى لبسلم كرم حيزا من الاهتمام في الساحة الادبية السويدية. وكتب عنها كثير من النقاد. وقد وصفهتا أحدى الناقدات بأنها "صورة واقعية وقاتمة عن قساوة الحاضر".

تستمتد المؤلفة عنوان روايتها من علم الفلك والفزياء الحديثة، وبالاخص النظرية النسبية العامة لاينشتاين. وما يعرف بالثقب الأسود، الذي توظفه المؤلفة كأداة من أدوات الصراع الذي تملكها السلطة للتخلص من معارضيها. لكن الثقب الأسود الذي يشاع عنه ابتلاعه لكل شئ يقترب منه بفعل جاذبيته العالية جداً، توجد على فوهته منطقة محايدة في الزمكان تقل فيها الجاذبية. ومن هذا الحد الفاصل يتصور المرء بأن الثقب الأسود فارغ، خال من أي شئ. لكنه في الحقيقة مليئ بأشياء كثيرة لاترى. وهذا مايعرف بـ "أُفق الحدث".

هذا من زاوية النظر العلمية، لكنه في العمل الأدبي فتستخدم بلسم كرم هذا العنصر كإستعارة لمفهوم حافة الهاوية، التي تعيش فيها بطلة الرواية ميلدا، الشابة الناقمة على الوضع ، حيث الشعور بالاستلاب والعيش في فقر مدقع مع نساء اخريات واطفالهن في مناطق بائسة على الهوامش. اولاً. يساقون الى مخيمات، ومن ثم الى مناطق لا تملك مقومات السكن على تخوم المدن. لكنه ورغم البؤس تكون هذه المجموعات متماسكة. وفيما بينها تضامن وعلاقات الفة وحب.

-         وهذا ما قصدته بالفعل. التضامن والعلاقات المشتركة والحب الذي يسود هذه المناطق رغم كل شئ.  لكن هؤلاء المهمشين لم يقفوا مكتوفي الايدي، بل يقوموا بانتفاضة تقودها الشابة ميلدا، التي ينتهي بها المطاف الى المقصلة. وفي تلك اللحظة، لحظة تنفيذ حكم الاعدام يأخذ ايقاع الرواية منحا آخر، فلا أحد يعلم اذا ما تم اعدامها بالفعل، ام انها أستخدمت في تجربة علمية بارسالها الى الفضاء لتواجه مصيرها في الثقب الأسود وتصبح شهيدة، أو من الغائبين.

الجائحة وعبثية المشهد

 


طالب عبد الأمير

  متثاقلاً يأتي المساء يجر خطى وئيدة، والظلام يفرش أردانه على الطرقات.

تتلألأ القناديل. ليست كلها، كما في كل مرة، بل بعضها، الذي لم يصله هيجان العاصفة بعد.

لكن ما فائدة المصابيح إذا كانت الطرقات خالية من البشر. وحدها الحيوانات البرية تمرح في الشوارع التي لم تعد تسمع فيها وقع الأقدام الآدمية ودوي المكائن المتحركة، وكركرة الأطفال في المدارس ورياض الأطفال والحدائق العامة.

وحدها البيوت التي تضج بالحركة الصامتة.. فيها المصابيح تبتلع ظلمة النوافذ المغلقة.. والزمن يفقد إحساسه بالمكان والزمان معاً. فكلاهما يتحول الى كيان هلامي يتشظى  بالتساوي. نعم المساواة، العدالة التي جاءت لتؤكد معجزة أفلتت من مدارها. ولكنها جاءت في الزمن الخطأ والمكان الخطأ. مساواة مختصة بالموت العددي السريع. موت الجائحة التاجية.

  • غريبة هذه التسمية.. اسمها كورونا
  • نعم وكورونا تعني التاج بالعربية. وهي بهذا المعنى في اغلب لغات العالم. فهذا المارد النانوي الحجم والتاجي الشكل.

تتدخل مع الظلمة فيما تتساءل وهي تتفحصني لتعرف كيف قضيت النهارات:

  • من يسأل من؟ ومن يجيب؟
  • أنا أسأل نفسي وأنا أجيبها
  • كيف؟
  • كيف، كيف؟ ألست أنا وحدي في الحجر الصحي الوقائي؟ لا التقي احداً خوفاً من العدوى. حجرت نفسي وعزلتها، فلا التقي باصدقاء او اقارب أو سمّار. منذ عدة شهور وانا على هذا الحال. اذاً فأنا أتحدث مع نفسي، اشاغلها كي لا افقد مشاعري.
  • انت لست الوحيد في هذه العزلة، مثلك كثيرون وفي مختلف بقاع العالم . وأنت تتواصل مع الآخرين كل يوم، عبر تقنيات وسائل التواصل الرقمية.. الا يكفيك هذا؟
  • لا، ليس بكافٍ. فالحضور جسداً في المكان والزمان يولد أحاسيس ومشاعر لا تمنحها كل تقنيات العالم.ثم أنا اتحدث عن نفسي.
  • إقرأ إذن
  • قرأت وقرأت كثيراً وكتبت حتى بدأ الملل يتسلل الى مفاصلي. وأصابعي باتت تتفاعل ببطء، تتأخر في النقر على لوحة ازرار الكومبيوتر لتسجل ماتمليه عليها افكاري.

 حدث هذا الأمر بسرعة خيالية لا يضاهيها شئ سوى عبثية الموت. وعبثية الحياة أيضاً، لمن يبقى حياً بعد العاصفة. فعلى ضفتها حدثت المفارقات.. لا احد يجزم كيف ولد هذا التركيب الغامض والمتناهي الصغر..وكيف توجه؟ ومن وجهه؟ ومن أعطاه السيف ليطعن اجساد البشر ويبعث بهم الى الضفاف الأخرى دون ضجة او مراسيم دفن ومجالس عزاء حتى.

قالوا انه يستهدف  أولاً فئة عمرية محددة أسموها فئة منطقة الأزمة.. الفئة التي أن وجودها قد بدأ وجودها،  بالعد التنازلي،أصلاً. وفئة تعاني من أمراض عصر التقنية الرقمية. لكن ثمة استثناءات. الجائحة لا تستثني فقد اصابت بعضاً من هم  خارج الفئتين، لكنها لا تميز بين ضحاياها، عرقياً او جغرافياً او دينياً او اثنياً، ثقافياً او اجتماعياً. فالكل سواسية امامها. كل الاسماء والصفات تتحول الى ارقام ومنحنيات بيانية في احصائيات الكارثة التاجية.