السبت، 11 ديسمبر 2021

 

متاهات

..... كنت اقرأ بالكتاب كما لو أنني في مهرجان شعري القى فيه قصيدة نثر. وقبل أن تذوب في الافق آخر كلمة ترددت في الفضاء ثم تلاشت في الأثير، داهمتني من جديد سِنةٌ من النوم.
وقبل أن أفتح عيني شعرت بيدٍ تمتد الي حاملة بساطاً منسوجاً من قطع قماش مختلفة الالوان والاشكال. لم يكن البساط الذي كانت الريح تهدهد أطرافه غريباً علي، ربما رأيت مثله في طفولتي. اعرف أن اسمه "جودلية" في لهجتنا العامية. جلست على البساط فحلق بي قليلاً، ثم هبط بي نحو الوادي، الذي حينما بلغت قاعه واجهني جذع شجرة عملاقة تمتد جذورها عميقاً في الأرض. كان الجذع إمتداداً لشجرة المعرفة. لكن هذا الجزء من الشجرة العملاقة يختلف في شكله عن جسمها الباقي في الأعلى، إذ تزينه الأضواء البخيلة الراعشة، كما في صالات الرقص في الديسكوهات. ليس هذا الجزء من جذع الشجرة العملاقة وحده المضاء بالالوان، بل كان كل شئ مضاء في هذا المكان الذي لا يشبه الوادي الاعتيادي. وإنما هو عبارة عن مدينة كبيرة ببناياتها وعماراتها الشاهقة. بشوارعها المتداخلة ببعضها والنظيفة حد المبالغة.
للحظة شعرت بذات اليد تأخذ بي وترفعني عن الأرض فتصطدم عيناي بشاشات ضخمة تحمل علامات شركات تقنية المعلومات العملاقة، جميع الشركات العاملة في مجال تقنية المعلومات. ووسائل (وسائط) التواصل الاجتماعي والجماهيري. كنت قد سمعت عن هذا المكان أكثر من مرة. فقد قيل أن وادي السيليكون كان حتى فترة نهاية سبعينات القرن الماضي مكاناً تكثر فيه الخضرة والطبيعة. وكان أغلب سكانه من العاملين في مجالات الفلاحة والزراعة، ومن ثم تحول الى مكان مختص بالتقنيات الحديثة.
يقطن في الوادي حوالي مليونين ونصف المليون نسمه.. غرقت في لجة الاضواء، وشعرت نفسي طيراً يستحم في سمائها، وقد إختفت اليد التي كانت تمسك بي. فتولد في داخلي احساس بالحرية. .
 لست أدري من أين جاء هذا الصوت الذي يشبه الأصوات المألوفة والذي تاه وسط حالة الدهشة التي كنت أعيشها في تلك اللحظات. إذ وأنا وسط الشاشات المضاءة بألوان مختلفة، شاهدت حركة غير طبيعية بين الناس، في الممرات والشوارع. حركة لولبية من أشخاص يضعون على أفواههم و أنوفهم كمامات لحماية أنفسهم مما اعتقدته  غازاً انتشر في الهواء، أو مرضاً معديا انتشر في الوادي، على حين غرة. كانوا يسيرون مسرعين باتجاهات مختلفة.
حاولت أن أسال أحدهم حول مايجري، لكن هذا إبتعد عني مسافة أمتار وهو يقول بصوت خفيض.
-          انه الفيروس. الفيروس.
-          عن اي فيروس تتحدث؟
سألته بصوت عال، لكنه لم يسمعني، أوتصنع عدم سماعي، فقد بلغ الجانب الآخر من الشارع ثم تلاشى في الضباب. توقعت أنه يقصد فيروس جديد من تلك الفيروسات التي تصيب أجهزة الكمبيوتر، فتعطل فاعلية البرامج المستخدمة فيه.
إذا كان الأمر كذلك فلماذا إذنً كل هذه الضجة؟ فهذا ليس شيئا جديداً وليس من الصعب مقارعتة، طالما هناك شركات تصنع برامجاً مضادة؟
لم يسمع أحد سؤالي، ولا حتى تعليقي عليه. فقد بات الكل يبتعد عن الآخر مسافات أصبحت بعيدة جداً. لذلك ضاع السؤال وتلاشى في الفضاء.
لوهلة شعرت بغثيان وارتفاع درجة حرارة جسمي.. قدماي لم تعدا تستطيعان حملي. ناديت بأعلى صوتي، لكن الصوت سقط أمامي، بين قدمي، وغبت عن الوعي. ثم طغى سكون على المكان وفي رأسي.
لست أدري كم مر من الوقت حتى أفقت من غيبوبتي بعد أن سمعت رنينه في رأسي. وأنا مستلق على سرير طبي،  وحيداً في غرفة نوافذها مغلقة، وستائرها مسدلة. كانت الغرفة مجهزة بأدوات التنفس الإصطناعي وقياس الضغط وتخطيطات القلب والمغذي وغيره من الأدوات التي تستخدم في المعالجات الطبية.
-          ماذا جرى؟ لماذا أنا هنا؟ وأين لصيقي.
تحسست جسمي محاولاً مد يدي اليسرى اليه كما اعتدت حين افق من النوم. فشعرت بثقلها.
يا إلهي، ماذا جرى؟ 
وحين تطلعت وجدتني أمسك بالكتاب الضخم  الذي اشتريته من المتنبي، ولكن لا أثر لصاحبي، لصيقي. انتابني القلق من مجرد التفكير بفقدانه. أخذت أصرخ بصوت عال وقد مر في مخيلتي أن هناك موعداً لإقلاع الباخرة، لمواصلة الإبحار. لكنني لم اعد اتذكره تماماً، لا الوقت ولا المكان. كما لا أتذكر متى وكيف حصل كل هذا الذي حصل.
في تلك الاثناء دخل الى الغرفة كائن بدا من هيئته وكأنه إنسان آلي قادم من الفضاء الخارجي، فاجأني بأن تحدث بصوت نسائي ذكرني بصوت أعرفه لكنني غير قادر على تمييزه.
-          كيف حالك الآن؟ سألني الكائن الغريب.
-          لا ادري، اعتقد انني بخير، لدي أحساس بأني فقدت شيئاً يشكل جزءاً مني. ولكن اين انا وماذا جرى؟
-          أنت في مركز المعالجة من الأمراض الوبائية. جاؤا بك الى هنا لمعرفة إن كنت مصاباً بفيروس يطلق عليه اسم كورونا.

-          ماذا يعني ذلك، فأنا لم اسمع أو أقرأ عن فيروس اسمه كورونا. من اين جاءني؟
لاحظ الكائن الفضائي، شرودي فناداني بإسمي. تنبهت اليه يتطلع الي، ربما مستفسراً عما كنت افكر به. فأردت أن أقول له انني حلمت بذلك. ولكن رغبة مني في معرفة من يكون كانت اقوى. فلملمت ما أملكه من جرأة وسألت الكائن الماثل امامي بشكل مباشر، إن كانت هي من باعتني كتاب التاريخ في شارع المتنبي؟ لم تتأخر الفتاة كثيراً بالرد:
-          نعم، أنها أنا. 
مقطع من كتاب طالب عبد الأمير" أسير المفاتيح السبعة" الصادر  العام 2021*
x
x

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق