الأربعاء، 22 يناير 2025


 من أدب الذاكرة

الفندق



*الى العم عبدالخضر  ياس الشرباجي في ذكراه  الرابعة والعشرين

طالب عبد الأمير

 


ما أن نقلت قدمي على سلالمه التى كساها الغبار، حتى إنطفأ ضوء المصباح المثبت في السقف. إذ "راحت "الوطنية". ونأياً عن أي التباس، فالوطنية هنا تعني التيار الكهربائي الذي يُورَّد من مصلحة الكهرباء التابعة للدولة. والذي بات ينقطع عن البيوت والمحال والفنادق  بضع ساعات في اليوم وفق جدول لكل منطقة من المناطق في
غالبية المدن العراقية.. والفكرة من وراء ذلك هو التقشف بالكهرباء التي بات العراق يستوردها. وقد أصبح شراء كهرباء من "مولدات" أهلية، تجارة رائجة لا تختلف عن أية تجارة في بضاعة اخرى، لا بل أهمها. لكن الفندق الذي صعدت درجاته وتربطني به حكايات ذات نكهة خاصة وراحت عنه الوطنية ليس لديه مولدة كهرباء أخرى. وكأن هذه البناية أبت إلا أن تكون وطنية بإمتياز، فتحملت قسطها مما تحمله الوطنيون.

رغم انقط انطفاء الضوء واصلت صعودي، كانت قدماي تتسابقان على درجات السلم تدفعهما غريزة الانتماء والحنين وذاكرة المكان فكل قطعة منه تعرفني، مذ كان بيتاً طينياً لم يسكنه أحد، وقد أستخدم مخزناً لمبيعات الجملة من الخضروات والفواكه وغيرها. قبل أن يحوله عمي أبو الياس الى بناء من ثلاثة طوابق. صمم الطابق الارضي ليكون مقهى ومحل تجاري وصالون حلاقة للرجال فوقها الفندق، الذي جُهزت غرفه بأسرّة من خشب الصاج ذات النوعية المفتخرة وأفرشة ناصعة البياض. كان موقعه المتميز المطل على الشارعين العام والفرعي الموصل الى بداية السوق الكبير، اوحى للعم  أن يحوله الى فندق بمواصفات راقية... لكنه لم يتوقع بأن كلفته ستكون باهضةً، حيث تطلب وضع أساسات البناء مبالغ طائلة، فضلاً عن الجهود الكبيرة التي بذلت فيه. أتذكر بأنه كلما حفر عميقا في الارض، كلما نزّت المياه من باطنها، مما اضطره الى أن يستأجر ساحبات ضحمة تعمل على الطاقة الكهربائية، يوم كانت على وفرتها، لتجفيف الحُفر وطمرها بالكونكريت المسلح بأعمدة حديدية..


كانت الماكنات تغرز مخالبها داخل الأرض لتصنع حفرأً تُصب فيها أعمدة الكونكريت المسلحة بأعمدة الشيلمان. بعد سحب المياه منها التي بلغت مقادير كبيرة ضننتها تكفي لنهر كبير. أو كما لو أن الفرات الذي يبعد بضع كيلومترات عن المكان قد غير مجراه نحوه. حتى اصبح بناءً رصيناً ثابتاً.

 

كنتُ، ورغم صغر سني، بمثابة اليد اليمنى لعمِّي أبو ياس في كل شئ ، كنت أعد له قوائم المواد المطلوبة ودفاتر الحسابات الخاص به وبأعماله التجارية، ومن ثم مديراً للفندق. أجلس الى مكتب وأمامي سجل أدون فيه اسماء وبيانات النزلاء وتلفون أرضي مصنوع من الخشب، على ما اتذكر. كان العم ابو ياس، كما كان يلقب، لم تكن، لديه ذرية في ذلك الوقت، بسبب عقم زوجته الاولى، لكنهما عاشا معاً أكثر من عشرين عاماً، حتى تزوج، بدعم منها، امرأة اخرى أنجبت منه اربع بنات وولداً واحداً أسماه علي، تيمناً بأسم  أخي الراحل علي . 


كان عبد الخضر ياس الشرباجي انساناً ذا عقلية تجارية حاذقة، عمل في كل ميادين السوق فضلا عن تمتعه بصفات انسانية عالية وطيبة قل نضيرها، شخصية محبوبة ومن وجهاء المدينة، كان مهموماً بمساعدة الآخرين، والفقراء منهم، بشكل خاص. وبالرغم من انه لم يتعلم القراءة والكتابة في صباه لم يقف عنده السن عائقاً للتعلم، حيث استأجر معلماً ليعطيه دروسا خصوصية باللغة العربية كتابة وقراءة وفي الحساب. 


ذكريات ومواقف كثيرة أحملها في ذاكرتي و وجداني، انتفضت من سباتها في تلك اللحظات لتكون شاهدة على حطام المكان، الذي كان يوماً بمثابة مملكتي الخاصة، وأنا في فترة المراهقة.اذ كنت أقضي فيه غالبية اوقاتي ماقبل الدوام في المدرسة ومابعده. لكن هذه المملكة وجدتها الآن وقد تهاوت منهارة كما تهاوت الكثير من أحلامنا البريئة في العيش بين الأهل والاصدقاء والأحبة في وطن آمن، وذهب كل شئ أدراج الرياح التي قذفت بنا مرغمين على شواطئ المنافي البعيدة.

 

رغم الظلام الدامس، واصلت صعودي الى الطابق الاول حتى تراءت الي سمعي اصوات تأتي من احدى الغرف، التي لمحت ذبالة ضوء يأتي منها. داهمني في تلك اللحظات شعور متبلد بغيوم لن تسقط مطراً. لم استطع فك لغز ذلك الاحساس الذي تملكني  في تلك اللحظة التي اعادتني ثلاثين عاما سدى الى الوراء، ترى هل اعرف هؤلاء؟ هل هم يعرفوني ؟ ومن هم؟


لم يكن للغرفة التي يجلسون فيها باب، كما هو شأن الغرف الاخرى، فقد تم بيع كل شيئ فيه، حتى الاسرّة، التي استبدلت بفرش متهرئة على البلاط. كان ثلاثة اشخاص يدخنون السيجائر ويتحاورون. سألني احدهم ان كنت ابحث عن مأوىٍ.

-       نعم، اجبته، ابحث عن مأوى، عن مأواي ومملكتي، قلت له.

-       عن اي مملكة تتحدث؟ قال احدهم ضاحكا، كاشفاً عن أسنان، بانت على ضوء الفانوس مغطاة بطبقة سديمية من النيكوتين. 

هبت حينها في داخلي نسائم حزينة، وانا أعود الى سني الصبا، بعد ان شعرت بمعرفتي للشخص ذي الاسنان المغطاة بالكلس السديمي. عرفته من ضحكته التي اختصرتها موجة من السعال من أثر التدخين المتواصل. تركته يكمل سعاله ويمسح فمه بكم سترته، لأناديه بأسمه. بتثاقل رفع الفانوس نحو وجهي ليتأملني جلياً، ثم هتف باسمي صارخاً:

-       أنت؟ اين انت يا ايها الغالي وابن الغالي؟ حمدا للرب انك مازلت على قيد الحياة.. عذراً، يالغبائي

لم اتعرف اليك حين قلت مملكتي، نعم كان علي ان اعرفك، من نبرة صوتك ومن انفاسك التي ظلت تعيش في اركان هذا المكان، قبل ان تنال منه عاديات الزمن.

 

أخذني يحى في عناق طويل ودموعه تسيل على خده. كان يكبرني باربع سنوات، وعلى عهدي به كان انسانا أمينا في عمله ولذلك كان محط اهتمام عمي به وبعائلته الفقيرة، التي كان معيلها الوحيد. قادني الى خارج الغرفة، بعد أن عادت "الوطنية" الى ردهة الفندق وهو يحدثني عن الزمن الاغبر الذي عاشوه وعن الحصار الظالم الذي عانوا منه، حيث اضطروا الى بيع "شيلمان"، اعمدة الحديد التي اريد لها ان تكون اساساً لاكمال بناء الطابق الاعلى للفندق.

وأنا أمر على شواهده الشاخصة تذكرت كيف كنتُ مدير الفندق وأمينه، خلال انشائه وبعد ذلك. وثمة قصص وأحاديث كثيرة عشت فيها في هذا المكان، الذي سكن فيه أناس من مختلف الأصناف، عمال وكسبة وتجار وموظفون، شعراء وفنانون من جنسيات مختلفة، كما كان من نزلاء الفندق سياسيون يساريون منفيون من مدن أخرى  يقضون فترة عقوبتهم في هذه المدينة العجيبة. كان أحدهم رجل ضعيف البنية يرتدي زياً غريباً يطلقون عليه "سوكارنو". كان شكله وملامح وجهه يشبه أحمد سوكارنو، احد زعماء حركة التحرر الوطني في اندنوسيا وأول رئيس لها بعد الاستقلال.


وأنا أحاول استدراج ذاكرتي مرت أمامي حكاية الزبون الذي غادر الفندق ولم يدفع الحساب.. أستأجرت تاكسي وذهبت وراءه في القرية التي يسكنها حسب بياناته التي كنت احتفظ بها في سجل الفندق. وبعد بحث طويل عنه سلكت فيه طرقاً ترابية لم تستطع سيارة الاجرة المرور بها فأضطررت السير فيها على الاقدام وعبور نهر صغير، لم استطع العثور على الرجل. ضحكت على نفسي وعن جرأتي التي دفعتني الى تلك المغامرة. لم تكن تلك جرأة بل كانت  تصرف صبياني رغم أن دافعه الحرص على الأمانة التي أودعها عندي العم ابو الياس. 



الصورةغير مؤرخة. ربما تعود الى ستينات

 القرن الماضي والى مآتم مدينة سوق الشيوخ


* كتبت هذا النص في العام 2004 بعد زيارتي الاولى للوطن، بعد سقوط الطاغية  ، وتيشر لأول مرة في هذا اليوم 

22 يناير 2025 في ذكرى الأصالة والطيبة والزمن الذي  لايستعاض



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق