الثلاثاء، 20 سبتمبر 2022


"الشاعر الذي فتحت لنا قصائده طريقا نحو الحقيقة"



وقت النشر måndag 30 mars 2015 kl 14.43

طالب عبد الأمير

اهتمت وسائل الاعلام في العديد من مناطق العالم، ومنها في العالم العربي برحيل الشاعر السويدي المعروف توماس ترانسترومر، الحائز على جائزة نوبل في الأدب العام 2011، الذي وافته المنية ليلة الخميس الماضي عن عمر ناهز الثالثة والثمانين.

في السفير اللبنانية كتب الشاعر عباس بيضون من ان تراسترومر اكثر من شاعر، "فما يحدثه فيك نصّ ترنسترومر هو أحساس عميق بالمغامرة، أحساس شبه جسدي كتلك القصيدة التي يروي فيها الشاعر انه استيقظ على مقعد سيارته وبقي وقتاً لا يعرف نفسه. مع ذلك في هذا الشعر قيم كبيرة ضامرة فيه، كما ان فيه حساً يتردد بين عادية مفرطة وبين سمّو أخاذ".

صحيفة الدستور الاردنية لقبته بأمير شعراء السويد، و شبكة الاعلام العراقي وصفته بشاعر الفجر وموسيقى الوجود. فيما كتبت صحيفة دوت مصر على النت تحت عنوان "عندما تصفق الواحدة" اشارة الى ان الشاعر الراحل كان يكتب ويعزف الموسيقى بيده اليسرى فقط!، بعد ان شُلت اليمنى، بعد جلطة دماغية قبل اكثر من عقدين من الزمن، اقعدته عن السير ومنعته من النطق. ترانسترومر كسر المثل الذي يقول "اليد الواحدة لا تصفق".

يعد ترانسترومر اكبر شاعر سويدي معاصر، ذاع صيته في العالم، نال جائزة نوبل في الأدب، العام 2011، بعد ما يقرب من اربعة عقود من منحها لعام 1974 الى كاتبين سويديين وهما ايفيند يونسون وهاري مارتينسون، مناصفة.

ولد ترانسترومر في الرابع من ابريل، نيسان العام 1931 في ستوكهولم من أب صحفي ومحرر صور وام معلمة في مدرسة شعبية، وقد انفصل الأب والأم مع بداية عمره، حتى انه لم يلتق بوالده طيلة حياته سوى مرة واحدة.
في صغره بدأ توماس ترانسترومر بمحاولة اكتشاف العالم، عبر الطائر الذي رسمته الكاتبة سلمى لاغرلوف، في روايتها الشهيرة "رحلة نيلس هولغرسون الرائعة عبر السويد" حيث ظل يتابع بعينيه خارطة العالم وجغرافية البلدان، حالماً بان يكون رحالة. لقد كان مهتما بقراءة كتب المعلومات والمعارف اكثر من قراءة الشعر الذي بات بارعا في صياغته، وقد بدأ ينظمه وهو الصف الثاني متوسط، واصدر اول مجموعة شعرية بعد ان بلغ 23 عاماً من العمر، حيث كان على مقاعد الدراسة الجامعية متخصصاً في تاريخ الاديان، رغم انه لم يكن ميالا الى الدين ولم يُعمّد في كنيسة، ذلك لأنه لم يجد دينا يؤمن به، كما عبّر ذلك في احدى المرات، في احد اللقاءات، فتوجه الى تعلم الموسيقى والعزف على البيانو بديلاً.
الموسيقى تصبح لاحقاً موضوعة متكررة في شعر ترانسترومر وجزءا من حياته، خاصة بعد ان فقد قدرته على النطق والحركة اثر جلطة دماغية شلت نصفه الايمن، منذ اكثر من عشرين عاما مضت.

قبل ان يتفرغ للشعر ويمتهنه تماما، عمل ترانسترومر في اصلاحية لأعادة التأهيل كمعالج نفسي، كما عمل في نفس المهنة بمعهد سوق العمل. عمله في المجال النفسي الاجتماعي وحبه للموسيقى ودراسته لتاريخ الاديان منحته هذه التركيبة شعراً هو بمثابة "صلاة علمانية" حسب احدى الدراسات الجامعية عن شعره ترانسترومر.
منذ صدور مجموعته الشعرية الاولى العام 1954 والتي عنونها بـ "17 قصيدة" اعتبره النقاد مشروع شاعر واعد. وهو شاعر يكتب قصيدته بتأن وروية، يرى القصيدة في اكتمال بلوغها، وقد اعتاد ان يقول عن نفسه، في بعض الاحيان، بأنه " شاعر لم ينضج بعد"، فيما ذكر الكاتب بير فيستبيري بأن ترانسترومر وخلال أربعين عاما، ظل يكتب بالمعدل كلمة في اليوم الواحد، ولكنه في نفس الوقت يمكن ان يكتب قصيدة من 200 صفحة، أي مايعادل رواية كاملة.

غالبية المتابعين لشعره يلحظون تشابكاً بين اللغة والواقع، او الحقيقة، ان صح التعبير، كما يتلمس ميلاً الى النطق بلغة الجمع، اذ يكثر ترانسترومر من استخدام ضمير " نحن" ويقل من استخدام "الأنا"، على الاقل في قصائده الاولى.
واحدة من اكثر المسائل اساسية في تعامل الشاعر مع ادواته الشعرية هي اللغة، لكن علاقة هذه الاداة بتوماس تروانسترومر لاتخلو من تعقيدات، اذ يأتي، احياناً، مفهوم " كلمات" في سياق ما بقصيدة توماس ترانسترومر مغاير تماماً لما يعنيه بمفهوم "اللغة"،
في قصائده يختار ترانسترومر لغة خاصة مشحونة بالاستعارات التصويرية، تمكن القارئ من تهجىء كلمات الحقيقة. كما وصفت دراسة عن شعر ترانسترومر.

لم يكن الشعر وحده يشغل عالم ترانسترومر، بل وكذلك الترجمة الأدبية التي اهتم بها، اذ البس عددا من القصائد الاجنبية لبوسا سويدية. فهو لايضع حدا فاصلا بين الشعر المترجم والشعر الأصل، بل يعتبر الشعر بلغته الأصلية ترجمة بحد ذاتها.
فهو لا يؤمن بوجود حدود بين فضاءات اللغات، طالما ان سمة القول الشعري تحمل صورا تعبر عن خلجات ومعايشات لا تنتمي الى بقعة جغرافية محددة. كما " أنه من خلال صوره العميقة المكثفة يمنحنا طريقا نحو الحقيقة"، حسب تعبير الاكاديمية السويدية في معرض اعلانها عن منح الجائزة لتوماس ترانسترومر العام 2011.

ترانسترومر ترجم الى لغات عديدة جدا ومنها العربية. الاولى كانت للشاعر علي ناصر كنانة لمجموعة شعرية واحدة لترانسترومر، في العام 2003 هي " ليلا على سفر". ولكن في 2005 صدرت المجموعة الكاملة لقصائد ترانسترومر بالعربية بترجمة قاسم حماده واشراف الشاعر ادونيس
كان احتفال مهم اقيم لترانسترومر وزوجته في دمشق وبيروت وقتها على شرف اصدار المجموعة باللغة العربية، عادا منها ممتنين للحفاوة التي لقيهما.

طالب عبد الأمير

* إذاعة السويد بالعربية 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق