السبت، 11 ديسمبر 2021

 

متاهات

..... كنت اقرأ بالكتاب كما لو أنني في مهرجان شعري القى فيه قصيدة نثر. وقبل أن تذوب في الافق آخر كلمة ترددت في الفضاء ثم تلاشت في الأثير، داهمتني من جديد سِنةٌ من النوم.
وقبل أن أفتح عيني شعرت بيدٍ تمتد الي حاملة بساطاً منسوجاً من قطع قماش مختلفة الالوان والاشكال. لم يكن البساط الذي كانت الريح تهدهد أطرافه غريباً علي، ربما رأيت مثله في طفولتي. اعرف أن اسمه "جودلية" في لهجتنا العامية. جلست على البساط فحلق بي قليلاً، ثم هبط بي نحو الوادي، الذي حينما بلغت قاعه واجهني جذع شجرة عملاقة تمتد جذورها عميقاً في الأرض. كان الجذع إمتداداً لشجرة المعرفة. لكن هذا الجزء من الشجرة العملاقة يختلف في شكله عن جسمها الباقي في الأعلى، إذ تزينه الأضواء البخيلة الراعشة، كما في صالات الرقص في الديسكوهات. ليس هذا الجزء من جذع الشجرة العملاقة وحده المضاء بالالوان، بل كان كل شئ مضاء في هذا المكان الذي لا يشبه الوادي الاعتيادي. وإنما هو عبارة عن مدينة كبيرة ببناياتها وعماراتها الشاهقة. بشوارعها المتداخلة ببعضها والنظيفة حد المبالغة.
للحظة شعرت بذات اليد تأخذ بي وترفعني عن الأرض فتصطدم عيناي بشاشات ضخمة تحمل علامات شركات تقنية المعلومات العملاقة، جميع الشركات العاملة في مجال تقنية المعلومات. ووسائل (وسائط) التواصل الاجتماعي والجماهيري. كنت قد سمعت عن هذا المكان أكثر من مرة. فقد قيل أن وادي السيليكون كان حتى فترة نهاية سبعينات القرن الماضي مكاناً تكثر فيه الخضرة والطبيعة. وكان أغلب سكانه من العاملين في مجالات الفلاحة والزراعة، ومن ثم تحول الى مكان مختص بالتقنيات الحديثة.
يقطن في الوادي حوالي مليونين ونصف المليون نسمه.. غرقت في لجة الاضواء، وشعرت نفسي طيراً يستحم في سمائها، وقد إختفت اليد التي كانت تمسك بي. فتولد في داخلي احساس بالحرية. .
 لست أدري من أين جاء هذا الصوت الذي يشبه الأصوات المألوفة والذي تاه وسط حالة الدهشة التي كنت أعيشها في تلك اللحظات. إذ وأنا وسط الشاشات المضاءة بألوان مختلفة، شاهدت حركة غير طبيعية بين الناس، في الممرات والشوارع. حركة لولبية من أشخاص يضعون على أفواههم و أنوفهم كمامات لحماية أنفسهم مما اعتقدته  غازاً انتشر في الهواء، أو مرضاً معديا انتشر في الوادي، على حين غرة. كانوا يسيرون مسرعين باتجاهات مختلفة.
حاولت أن أسال أحدهم حول مايجري، لكن هذا إبتعد عني مسافة أمتار وهو يقول بصوت خفيض.
-          انه الفيروس. الفيروس.
-          عن اي فيروس تتحدث؟
سألته بصوت عال، لكنه لم يسمعني، أوتصنع عدم سماعي، فقد بلغ الجانب الآخر من الشارع ثم تلاشى في الضباب. توقعت أنه يقصد فيروس جديد من تلك الفيروسات التي تصيب أجهزة الكمبيوتر، فتعطل فاعلية البرامج المستخدمة فيه.
إذا كان الأمر كذلك فلماذا إذنً كل هذه الضجة؟ فهذا ليس شيئا جديداً وليس من الصعب مقارعتة، طالما هناك شركات تصنع برامجاً مضادة؟
لم يسمع أحد سؤالي، ولا حتى تعليقي عليه. فقد بات الكل يبتعد عن الآخر مسافات أصبحت بعيدة جداً. لذلك ضاع السؤال وتلاشى في الفضاء.
لوهلة شعرت بغثيان وارتفاع درجة حرارة جسمي.. قدماي لم تعدا تستطيعان حملي. ناديت بأعلى صوتي، لكن الصوت سقط أمامي، بين قدمي، وغبت عن الوعي. ثم طغى سكون على المكان وفي رأسي.
لست أدري كم مر من الوقت حتى أفقت من غيبوبتي بعد أن سمعت رنينه في رأسي. وأنا مستلق على سرير طبي،  وحيداً في غرفة نوافذها مغلقة، وستائرها مسدلة. كانت الغرفة مجهزة بأدوات التنفس الإصطناعي وقياس الضغط وتخطيطات القلب والمغذي وغيره من الأدوات التي تستخدم في المعالجات الطبية.
-          ماذا جرى؟ لماذا أنا هنا؟ وأين لصيقي.
تحسست جسمي محاولاً مد يدي اليسرى اليه كما اعتدت حين افق من النوم. فشعرت بثقلها.
يا إلهي، ماذا جرى؟ 
وحين تطلعت وجدتني أمسك بالكتاب الضخم  الذي اشتريته من المتنبي، ولكن لا أثر لصاحبي، لصيقي. انتابني القلق من مجرد التفكير بفقدانه. أخذت أصرخ بصوت عال وقد مر في مخيلتي أن هناك موعداً لإقلاع الباخرة، لمواصلة الإبحار. لكنني لم اعد اتذكره تماماً، لا الوقت ولا المكان. كما لا أتذكر متى وكيف حصل كل هذا الذي حصل.
في تلك الاثناء دخل الى الغرفة كائن بدا من هيئته وكأنه إنسان آلي قادم من الفضاء الخارجي، فاجأني بأن تحدث بصوت نسائي ذكرني بصوت أعرفه لكنني غير قادر على تمييزه.
-          كيف حالك الآن؟ سألني الكائن الغريب.
-          لا ادري، اعتقد انني بخير، لدي أحساس بأني فقدت شيئاً يشكل جزءاً مني. ولكن اين انا وماذا جرى؟
-          أنت في مركز المعالجة من الأمراض الوبائية. جاؤا بك الى هنا لمعرفة إن كنت مصاباً بفيروس يطلق عليه اسم كورونا.

-          ماذا يعني ذلك، فأنا لم اسمع أو أقرأ عن فيروس اسمه كورونا. من اين جاءني؟
لاحظ الكائن الفضائي، شرودي فناداني بإسمي. تنبهت اليه يتطلع الي، ربما مستفسراً عما كنت افكر به. فأردت أن أقول له انني حلمت بذلك. ولكن رغبة مني في معرفة من يكون كانت اقوى. فلملمت ما أملكه من جرأة وسألت الكائن الماثل امامي بشكل مباشر، إن كانت هي من باعتني كتاب التاريخ في شارع المتنبي؟ لم تتأخر الفتاة كثيراً بالرد:
-          نعم، أنها أنا. 
مقطع من كتاب طالب عبد الأمير" أسير المفاتيح السبعة" الصادر  العام 2021*

السبت، 4 ديسمبر 2021

 :كتب وإصدارات


شذرات" كامل الركابي.. قصائد متمردة سريعة البوح              

منذ فترة والشاعر العراقي كامل الركابي منصرف الى كتابة القصيدة القصيرة المختزلة، ذات النبرة السريعة التي تستمد صيرورتها من إيقاع الحياة اليومية ونبض الواقع والاحداث المتلاحقة التي يحاول الشاعر الإمساك بها للتعبير عنها بأدوات فنية تتلائم وطبيعتها.

هذه القصائد التي دأب الشاعر على نشرها بشكل متواصل، إختار بعضاً منها في كتاب صدر له مؤخرا عن دار الرواد المزدهرة في بغداد بعنوان "شذرات". والشذرات هنا يُقصد بها القصائد القصيرة المختزلة ذات الإيقاع السريع:

حقل حبك / جمر / مزروع برماد

وروحي سنبل/ مايبس / بعد الحصاد!

او هذه القصيدة:

انت مثل الفطر / نابت بالطبيعه

كل خريف / إيذّكر الناس / بْربيعه !

وهذه تجيئ خلافا الى ما اتسمت به قصائد مجموعته السابقة التي اصدرها في العام 2008 بعنوان "فوانيس" والتي تتسم بنبرة ذات إيقاع هادئ، واسترسال سلس، يمر بها على المساحات المظلمة ليضيء عتمتها. فالشذرات،  كما قرأتها، تشي بنضج التجربة التي بدأها الركابي في شعر العامية، منذ منتصف سبعينات القرن الماضي بأصدار مجموعته الشعرية الأولى "الکمرة وسواليف النهر" في العام 1975.



لکن قصائده ورغم اختلاف أنماطها ثمة خيط رفيع يغزل نسيجها. وهذا الخيط يكمن في استخدامه أدوات الحكاية في الشعر. فمعظم قصائده يتناول فيها موضوعة معينة بصورة السرد المكثف جداً. وربما اذهب بالوصف الى ابعد من ذلك لأقول أن قصيدة كامل الركابي تشبه في بعض جوانبها القصة القصيرة جداً. وهذا ربما يفسر ما ذکره لنا الشاعر نفسه عن محاولاته، سابقا، في كتابة القصة، وعزوفه عنها بسبب عدم تمكنه من التحكم بادواتها الفنية، غير أن جوهر القصة القصيرة و شكلها وبنائها الدرامي ظل حاضراً في القصائد.

الشاعر يتفنن خلال مرحلة تكوين قصيدته في مد معاني كلماتها بشحنة من الدلالات التي تأتي بأيقاع هارموني تلقائي. بمعنى انه بعد أن يلتقط الفكرة ويزرعها في جسد الكلمات، يترك القصيدة تسير بانسيابية تلقائية. بل واحيانا تتمرد القصيدة على شاعرها. فهو يقول:

چنت أخاف/ أكتب قصيده / وهسه/ هيّ اليوم / تكتبني/ وتخلّيني / بالف صفنه / وتروح

چنت أفكّر / بالمعاني / الكلمات / وهيّ ما همها / بسطر واحد  تبوح

المختبي / المخزون / من صرخة الروح!

كامل الركابي الشاعر الذي نهل الشعر من منابعه وأخذ من تجارب شعراء سطعت نجومهم في سماء شعر العامية العراقي، وفي مقدمتهم الكبير مظفر النواب، وضع لنفسه "لكنْةً" خاصة به تفرد في تغريدها. فقارئ القصيدة يتخيل كيف يلقيها الشاعر بصوته بطريقة تلامس الإحساس بما تريد البوح به، بعفوية وبساطة. 

اذن هو يأتي بالفكرة ويصيغها في كلمات، ثم يترك لها اختيار الطريقة التي تظهر بها. لذا تجدها أحيانا تأتي بوزن وقافية وفي أحايين أخرى مفتوحة غير مؤطرة، أو حتى تجئ على شكل نص نثري طويل.

صيرورة القصيده هنا لا تظهر منتوج صياغتها، بمعنى آخر أنها لاتصاغ بل تأتي بتلقائية.

وبخلاف عديد من شعراء العامية العراقيين الذين يستخدمون المفردات العميقة، لبيئة الجنوب، وتلك غير المتداولة التي يطلق عليها الحسجة، فأن لغة قصيدة كامل الركابي اقرب الى لغة الصحافة، التي يعتبرها البعض لغة وسطية بين الفصحى واللهجة الشعبية، اليومية الدارجة في المدينة. والسبب في ذلك، كما يؤكد لنا الشاعر الركابي، أنه لم يعش أجواء الريف، كما انه غادر بيئته الى بلدان أخرى، بوقت مبكر، حيث تجربته الشعرية لم تنضج او تتحدد ملامحها بعد. كما وجد لزاماً عليه أن يتماشى مع لهجات ومفردات عربية أخرى، حين اضطرته ظروف بلاده السياسية، كما هو حال الكثيرين من مثله من الأدباء والفنانين الذين قارعوا النظام الدكتاتوري ولجئوا الى بلدان المنفى والعيش والتغرب فيها سنوات طوال بعيداً عن جحيم السلطة التي حاربتهم بكافة الأساليب القمعية..

السبت، 28 أغسطس 2021

 

روائية سويدية من اصل عراقي 

في لجنة «ليندغرين» العالمية لأدب الأطفال

الجائزة الثانية بعد «نوبل» وتُمنح لأفراد وأصحاب مشاريع ومنظمات
الثلاثاء - 19 ذو القعدة 1442 هـ - 29 يونيو 2021 مـ رقم العدد [ 15554
ستوكهولم: طالب عبد الأمير

 طالب عبد الأمير
 13062021

إختار مجلس الثقافة السويدي الروائية بلسم كرم، من اصل عراقي لعضوية لجنة جائزة آستريد ليندغرين  العالمية في أدب الأطفال والمعروفة اختصارا بآلما

 Astrid Lindgren Memorial Award ِALMA) ) في ذكرى كاتبة الاطفال  السويدية الشهيرة.

وتعتبر هذه الجائزة الأكبر في أدب الاطفال عالمياً  والارفع بعد جائزة نوبل في الادب.

وتضم لجنة الجائزة التي تأسست من قبل الحكومة السويدية في العام 2002، وهو العام الذي توفيت فيه كاتبة قصص الاطفال آستريد ليندغرين، اثني عشر عضواً من خلفيات  اختصاصية مختلفة، كتاب ورسامين وباحثين في علوم الادب والاجتماع وخبراء في حقوق الاطفال وغير ذلك.

ولدت بلسم كرم في طهران من ابوين عراقيين هجّرهما نظام صدام حسين، بحجة التبعية الى ايران ضمن الحملة السيئة الصيت، التي طالت الآلاف من العوائل العراقية، بداية ثمانينات القرن الماضي. ثم انتقلت مع عائلتها الى السويد وهي في سن السابعة. وبعد أتقانها اللغة السويدية، دخلت بلسم معترك النشاط السياسي والاجتماعي. وفي ذات الوقت إنصب إهتمامها على قراءة القصص والروايات، ساعدها في ذلك حصولها على عمل في احدى المكتبات، تقول بلسم كرم خلال لقائنا معها:

-         خلال تلك الفترة تولدت لدي فكرة لكتابة قصة، فحاولت البحث عن امكانية لتحقيقها فاشتركت  في دورة تدريبية لتعلم فن التأليف وكتابة القصة، لكن ذلك لم يساعدني كثيراً لتحقيق ما اريده. كما أن طموحي لا يتوقف عند رغبة الكتابة، بل وايضا في لمعرفة الادب، لذلك درست في جامعة غوتنبرغ في برنامج التكوين الادبي ونلت منها بعد سنتين شهادة الماجستير في المجال الابداع. هذه الدراسة منحتني امكانية البدء لكتابة قصة طويلة، لكن هذه القصة اخذت وقتاً طويلاً، بسبب انهماكي في العمل بالمكتبة العامة بدوام كامل. وما بين فكرتها الاولى في 2005 وحتى انجازها واصدارها رواية في العام 2018 مر وقت طويل، رغم اني لم اكتب طيلة الوقت، بطبيعة الحال، ولكن بصورة متقطعة. تركتها فترة ومن ثم عدت اليها.

عند صدورها في العام 2018 بعنوانا اللافت وهو "أفق الحدث" شغلت هذه الرواية الاولى لبسلم كرم حيزا من الاهتمام في الساحة الادبية السويدية. وكتب عنها كثير من النقاد. وقد وصفهتا أحدى الناقدات بأنها "صورة واقعية وقاتمة عن قساوة الحاضر".

تستمتد المؤلفة عنوان روايتها من علم الفلك والفزياء الحديثة، وبالاخص النظرية النسبية العامة لاينشتاين. وما يعرف بالثقب الأسود، الذي توظفه المؤلفة كأداة من أدوات الصراع الذي تملكها السلطة للتخلص من معارضيها. لكن الثقب الأسود الذي يشاع عنه ابتلاعه لكل شئ يقترب منه بفعل جاذبيته العالية جداً، توجد على فوهته منطقة محايدة في الزمكان تقل فيها الجاذبية. ومن هذا الحد الفاصل يتصور المرء بأن الثقب الأسود فارغ، خال من أي شئ. لكنه في الحقيقة مليئ بأشياء كثيرة لاترى. وهذا مايعرف بـ "أُفق الحدث".

هذا من زاوية النظر العلمية، لكنه في العمل الأدبي فتستخدم بلسم كرم هذا العنصر كإستعارة لمفهوم حافة الهاوية، التي تعيش فيها بطلة الرواية ميلدا، الشابة الناقمة على الوضع ، حيث الشعور بالاستلاب والعيش في فقر مدقع مع نساء اخريات واطفالهن في مناطق بائسة على الهوامش. اولاً. يساقون الى مخيمات، ومن ثم الى مناطق لا تملك مقومات السكن على تخوم المدن. لكنه ورغم البؤس تكون هذه المجموعات متماسكة. وفيما بينها تضامن وعلاقات الفة وحب.

-         وهذا ما قصدته بالفعل. التضامن والعلاقات المشتركة والحب الذي يسود هذه المناطق رغم كل شئ.  لكن هؤلاء المهمشين لم يقفوا مكتوفي الايدي، بل يقوموا بانتفاضة تقودها الشابة ميلدا، التي ينتهي بها المطاف الى المقصلة. وفي تلك اللحظة، لحظة تنفيذ حكم الاعدام يأخذ ايقاع الرواية منحا آخر، فلا أحد يعلم اذا ما تم اعدامها بالفعل، ام انها أستخدمت في تجربة علمية بارسالها الى الفضاء لتواجه مصيرها في الثقب الأسود وتصبح شهيدة، أو من الغائبين.

الجائحة وعبثية المشهد

 


طالب عبد الأمير

  متثاقلاً يأتي المساء يجر خطى وئيدة، والظلام يفرش أردانه على الطرقات.

تتلألأ القناديل. ليست كلها، كما في كل مرة، بل بعضها، الذي لم يصله هيجان العاصفة بعد.

لكن ما فائدة المصابيح إذا كانت الطرقات خالية من البشر. وحدها الحيوانات البرية تمرح في الشوارع التي لم تعد تسمع فيها وقع الأقدام الآدمية ودوي المكائن المتحركة، وكركرة الأطفال في المدارس ورياض الأطفال والحدائق العامة.

وحدها البيوت التي تضج بالحركة الصامتة.. فيها المصابيح تبتلع ظلمة النوافذ المغلقة.. والزمن يفقد إحساسه بالمكان والزمان معاً. فكلاهما يتحول الى كيان هلامي يتشظى  بالتساوي. نعم المساواة، العدالة التي جاءت لتؤكد معجزة أفلتت من مدارها. ولكنها جاءت في الزمن الخطأ والمكان الخطأ. مساواة مختصة بالموت العددي السريع. موت الجائحة التاجية.

  • غريبة هذه التسمية.. اسمها كورونا
  • نعم وكورونا تعني التاج بالعربية. وهي بهذا المعنى في اغلب لغات العالم. فهذا المارد النانوي الحجم والتاجي الشكل.

تتدخل مع الظلمة فيما تتساءل وهي تتفحصني لتعرف كيف قضيت النهارات:

  • من يسأل من؟ ومن يجيب؟
  • أنا أسأل نفسي وأنا أجيبها
  • كيف؟
  • كيف، كيف؟ ألست أنا وحدي في الحجر الصحي الوقائي؟ لا التقي احداً خوفاً من العدوى. حجرت نفسي وعزلتها، فلا التقي باصدقاء او اقارب أو سمّار. منذ عدة شهور وانا على هذا الحال. اذاً فأنا أتحدث مع نفسي، اشاغلها كي لا افقد مشاعري.
  • انت لست الوحيد في هذه العزلة، مثلك كثيرون وفي مختلف بقاع العالم . وأنت تتواصل مع الآخرين كل يوم، عبر تقنيات وسائل التواصل الرقمية.. الا يكفيك هذا؟
  • لا، ليس بكافٍ. فالحضور جسداً في المكان والزمان يولد أحاسيس ومشاعر لا تمنحها كل تقنيات العالم.ثم أنا اتحدث عن نفسي.
  • إقرأ إذن
  • قرأت وقرأت كثيراً وكتبت حتى بدأ الملل يتسلل الى مفاصلي. وأصابعي باتت تتفاعل ببطء، تتأخر في النقر على لوحة ازرار الكومبيوتر لتسجل ماتمليه عليها افكاري.

 حدث هذا الأمر بسرعة خيالية لا يضاهيها شئ سوى عبثية الموت. وعبثية الحياة أيضاً، لمن يبقى حياً بعد العاصفة. فعلى ضفتها حدثت المفارقات.. لا احد يجزم كيف ولد هذا التركيب الغامض والمتناهي الصغر..وكيف توجه؟ ومن وجهه؟ ومن أعطاه السيف ليطعن اجساد البشر ويبعث بهم الى الضفاف الأخرى دون ضجة او مراسيم دفن ومجالس عزاء حتى.

قالوا انه يستهدف  أولاً فئة عمرية محددة أسموها فئة منطقة الأزمة.. الفئة التي أن وجودها قد بدأ وجودها،  بالعد التنازلي،أصلاً. وفئة تعاني من أمراض عصر التقنية الرقمية. لكن ثمة استثناءات. الجائحة لا تستثني فقد اصابت بعضاً من هم  خارج الفئتين، لكنها لا تميز بين ضحاياها، عرقياً او جغرافياً او دينياً او اثنياً، ثقافياً او اجتماعياً. فالكل سواسية امامها. كل الاسماء والصفات تتحول الى ارقام ومنحنيات بيانية في احصائيات الكارثة التاجية.

الثلاثاء، 30 مارس 2021

 

عن الزمن والجائحة

طالب عبد الأمير

إستيقظت صباح اليوم على منبه الساعة. وهذه عادتي كل صباح. وفي الوقت المحدد. ولكن هذا الصباح كان إستثناءً. فقبله وفي هدئة الليل والناس نيامى، تسلل الزمن حابياً الى مضجع الوقت وأهداه ساعة كاملة، بدقائقها وثوانيها التي أُضيفت الى الوقت محتوى، وحوّلت الثانية فجراً الى الثالثة. ومنبه ساعتي رن في السابعة، تماما حسبما جرى تنظيمه بأن يطلق موسيقاه المنبهة في اللحظة كل صباح. لكنه ابتداء من هذا اليوم الثامن والعشرين من آذار، اصبحت السابعة تسمى الثامنة. والثامنة سابقاً أصبحت التاسعة في الراهن, وهلم جرا، حيث تقدم الوقت ساعة. وسيستمر على هذا المنوال حتى نهاية اليوم الأخير من أكتوبر، من هذا العام. عندئذ سيعيد الوقت للزمن ساعته، فتعود الثالثة لتصبح الثانية. وهذا ما يعرف بالوقت الصيفي وذاك الشتوي ، الذي تتبعه بعض البلدان. منذ سبعينيات القرن الماضي. لكن فكرة التوقيتين تعود الى الفلكي البريطاني جورج هادسون، التي طرحها في العام 1895. ولحقت بركبها دول مثل ألمانيا والنمسا في ربيع عام 1916.ها وبعد ذلك التحقت بها دول أخرى.

لابد لي من القول أن مسألة تعديل الوقت جاءت عرضية، لأنني ومنذ فترة أحاول أن أكتب عن الزمن وسرعته التي تغيرت. وبالطبع نحن نعرف الآن أن ثمة فروقاً كثيرة بين الوقت والزمن. فهما ليسا صنوان كما إعتقد البعض.

فبالأمس، ونقول هذا مجازاً. وللدقة، نقول قبل ثلاثة أشهرمضت، كنا قد ودّعنا عاماً أنتهت صلاحيته. لملم أوراقه ودخل التاريخ يبحث عن مكان له فوق رفوف الذاكرة الجمعية. وبذات الوقت إستقبلنا عاماً جديدا وليداً حل محله، وباشر في الحال لعبة الكون السديمية. إستعار نفس أسماء الأيام والشهور، التي دأبت عليها السنوات السابقة، مع فارق أساسي، هو تسمية العدد. فبدلاً من أن كنا نقول، طيلة السنة الماضية الفين وعشرين، أصبحنا نقول الآن الفين وواحد وعشرين، وعلينا أن نعتاد على هذا الرقم ونستمر به حتى نهاية هذا العام و مجئ عام جديد. وهذا متغير بسيط، يعني "نانو" بلغة الرقمنة، فكل ما حدث تم بنسق منظم كما هو الحال منذ قرون.

الزمن يجري، يمر دون أن يلتفت وراءه، ودون أن يترك ملمساً مادياً. هو كالماء ليس له نقطة عبور أو مساحة حيادية ساكنة ، كما لا يوجد ثمة فاصل فيزياوي بين السنين، أو نقطة عبور بين سنة واخرى، بل الزمن يجري دونما توقف. لذلك لايجد المرء ثمة اختلاف بين ايام السنة الماضية وأيام السنة الجديدة، لا في التشكل ولا في الإحداثيات ولا في عدد الساعات والدقائق وألأشهر حتى. ربما الفرق في الأيام ثمة استثناء في السنة الكبيسة، والفارق فيها يوم واحد يضاف كل اربع سنوات الى شهر شباط للتوازن بين التقويمين الفلكي والميلادي.

السبت، 20 فبراير 2021

من ارشيف الصحف: المدى العدد1015 في 14 آب 2007

 

ليس بدون العرب

كتاب سويدي عن اسهامات العرب في الثقافات الاوروبية

 

طالب عبد الأمير 

 

يعتبر كتاب " ليس بدون العرب " لمؤلفة الباحث السويدي يان بريمان، واحدا من الاصدارات القليلة، المؤلفة في الغرب، التي تنصف العرب والمسلمين وترد الاعتبار لمكانتهم التي تبوأوها في العصور الاولى لنشأة الحضارة. يحمل هذا الكتيب بين طياته مادة اعلامية غنية، رغم قلة عدد صفحاته، حول دور العرب والمسلمين الحضاري في تاريخ الشعوب التي احتكت بها. اذ يستعرض المؤلف فيه شواهد من ثقافات الشرق التي طعّمت الثقافات الاوروبية بموتيفات مختلفة اصبحت جزءا من تاريخها. يشير البروفيسور بريمان، في ديباجة الكتاب، الى انه ومن "خلال ما استعرضه من نماذج لهذه الظواهر الثقافية التي يتميز بها العالم العربي، تلك التي احتكينا بها سواء بشكل مباشر او غير مباشر، والتي مازالنا نلتقى بشواهدها في ثقافتنا، أود، من خلال الامثلة المحددة ان ارسم صورة توضيحية للالتقاء الحضاري والصلات الثقافية التي من السهولة نسيانها".