ليس بدون العرب
كتاب سويدي عن
اسهامات العرب في الثقافات الاوروبية
طالب عبد الأمير
يعتبر كتاب " ليس بدون
العرب " لمؤلفة الباحث السويدي يان بريمان، واحدا من الاصدارات القليلة، المؤلفة في الغرب، التي
تنصف العرب والمسلمين وترد الاعتبار لمكانتهم التي تبوأوها في العصور الاولى لنشأة
الحضارة. يحمل هذا الكتيب بين طياته مادة اعلامية غنية، رغم قلة عدد صفحاته،
حول دور العرب والمسلمين الحضاري في تاريخ الشعوب التي احتكت بها. اذ يستعرض
المؤلف فيه شواهد من ثقافات الشرق التي طعّمت الثقافات
الاوروبية بموتيفات مختلفة اصبحت جزءا من تاريخها. يشير البروفيسور بريمان، في ديباجة الكتاب، الى انه ومن
"خلال ما استعرضه من نماذج لهذه الظواهر الثقافية التي يتميز بها العالم
العربي، تلك التي احتكينا بها سواء بشكل مباشر او غير مباشر، والتي مازالنا نلتقى
بشواهدها في ثقافتنا، أود، من خلال الامثلة المحددة ان ارسم صورة توضيحية للالتقاء
الحضاري والصلات الثقافية التي من السهولة نسيانها".
كتاب " ليس بدون العرب " هو
جزء مكمل لمعرض حمل نفس الاسم وضم تشكيلات من طراز الفن العربي الاسلامي القديم، الذي اقيم في
السويد فبل سنوات مضت.
وقد قصد منه الكاتب حينئذ،
بوصفه مؤرخاً،
تسليط الضوء على جذور الثقافة الاوروبية والسويدية على وجه التحديد التي تطورت،
كما تعقدت ايضا، بصورة اكبر مما يتصوره المرء او يعيه. فهو يشير الى أن
"القاء نظرات سريعة على هذه التفاعلات الثقافية المتطورة والمعقدة في آن واحد
يمكن أن تمنحنا التقدير والاعجاب نحو هذه العلاقات العظيمة التي ننتظم في صفوفها.
هذه العلاقات التي نعمل سويةعلى تطويرها ودفعها للامام ".
يتحدث الكتاب عن دور العرب الحضاري
والانفتاح الثقافي الذي وسمته اللغة العربية ليس عند أهلها الناطقين بها فحسب، بل وأن
العربية اصبحت اللغة الثقافية السائدة بين عدد من الاقوام الاخرى. "فخلال
الانفجار الثقافي في الشرق القديم قدم اليهود في بلاد مابين النهرين والمسيحيين في
سوريا اسهامات ثابتة، ليس فقط عن طريق الترجمات الى اللغة العربية، بل ومن خلال
الكتب التي الفوها اصلاً باللغة العربية"، كما ويستعرض المؤلف بشكل سريع
مظاهر الازدهار الثقافي العربي في أسبانيا وشمال افريقيا في القرنين العاشر
والحادي عشر مؤكدا على دور اللغة العربية التي أسهمت، بغناها وامكاناتها
في التعبير،
في انتشار هذا الازدهار بين الشعوب. ومن خلال التأكيد على الزمان والمكان في
استعراض العلاقات الثقافية بين الشعوب ينحو المرء الى استقراء التاريخ، ولكن بأي تاريخ يتعلق الامر؟
وتاريخ من؟ هذا ما سعى مؤلف "ليس بدون العرب" التوجه نحوه. وحينما يتحدث
عن المكان فهو يأخذ الكرة الارضية التي ورغم كونها دائرة كبيرة، فأنها وككل شئ
مادي لها وجهان.
فهي لاشك تبدأ من نقطة تشكل منطلقها التي تتوجه منه. والتوجه هنا مرادف لكلمة
"ORIENTATION " المشتقة من كلمة ORIENT اللاتينية والتي تعني الشرق، كما يشرحها المؤلف.
وعندما يتحدث عن ذلك فهو يسعى للبحث عن جذور التاريخ، حيث يقوده طريق التوجه ORIENTATION نحوها الى الشرق ORIENT.
وهو حين يشرح معنى كلمة الشرق ORIENT ويعيدها الى فعل
" شروق الشمس" يريد التأكيد على ان الشمس هي محور نقطة التوجه
(التشرق). فبانطلاقتها يولد يوم جديد بكل ما يحمله من نور ودفء وحياة جديدة. وليس
هذا فحسب، فالحمرة التي تلون سماء الشرق وجد لها المصريون القدامى تفسيرا وجده
المؤلف منطقيا، فهي تجسد لون الدم الذي خلفه الصراع ضد التنين آبوفيس الذي حاول
منع الشمس من الشروق فوق الافق.
أن هذا المثل من مصر القديمة
"يعلمنا" كمايقول المؤلف بأن التوجه (التشرق) يتعلق أساسا باتجاه محدد بشكل قاطع. وهذا مانجد
ملامحه في السويد ايضا، من خلال بناء الكنائس ووجهتها نحو الشرق، "وحتى
المقابر لها اتجاه شرقي غربي، حيث يوضع الموتى في القبور ووجوههم ميممة نحو الشرق،
نحو المسيح". وحينما يتحدث المؤلف عن الشرق وبزوغ الشمس والضوء فيه والذي
يطلق عليه "بلاد الصباح" فهو يتحدث ايضا عن القسم الثاني من الارض،
الغرب، المنطقة التي تغرب الشمس فيها والذي تسمى بـ"بلاد المساء". ويشير
بالنص الى "اننا حينما نتناول التطور الثقافي بمعناه الواسع ، يجب علينا نحن
في بلاد الغرب أن نعترف بان الشرق
بثقافاته المنسابة مع مجريات نهري النيل والفرات، كان هو الرائد الاول
بالنسبة لثقافاتنا".
أن المصطلح اللاتيني Oriente
Lux
ومعناه "من الشرق يأتي النور" لايتحدد عند مؤلف كتاب "ليس بدون
العرب" بمعنى "شروق الشمس"، بل يتعدى ذلك الى المعنى الثقافي
العميق للمصطلح، وقد كتب كلمة "النور" بحروف كبيرة للتأكيد على دلالة
هذا المغزى، وشفاعته في ذلك أن الكثير من الديانات التي نبعت في شرق البحر المتوسط
انساب جريانها باتجاه الغرب، وان كثيرا ما يشكل الدين والثقافة خطين متقاربين في
سلم التطور التاريخي، حسبما يراه يان بريمان الذي يتابع بزوغ الشمس من شرقها
متطلعا الى السماء الذي تتكور في احضانه، فيربط هذا التطور المتواصل بعلم الفلك
عند المسلمين و"اركان العالم السبع" التي تحدثت عنها ثقافات الشرق
الاولى حيث تتواجد دعائم السماء. فهو يقول: "أنه ليس من المصادفة بأننا
استعرنا الكثير من المفاهيم المتعلقة بعلم الفلك من العرب. عندما كان العرب يعبون
البلاد الصحراوية على جمالهم التي كانوا يلقبونها بـ"سـفن الصحراء" لم تكن هناك علامات على
الطريق يستدلون
بها، فكانوا بدلا عن ذلك يتطلعون نحو السماء للاستدلال بنجومها فاكتسبوا خبرة
تطبيقية في "جغرافية النجوم".
لاحقاً وللتأكيد على دور المسلمين
الحضاري وفي تخطي الحدود الجغرافية لموطنهم الاصلي وما يمكن تسميته بالعولمة في لغة العصر الحديث،
يقتبس المؤلف من الباحث الاسلامي مارشال هودغستون قوله في أن الاسلام وخلال
السنوات الاخيرة من الحقبة التاريخية الوسطى في منظور التاريخ الافريقي ـ الاوروبي والآسيوي
" يقترب من تأسيس نظام عالمي على
المستوين الاجتماعي والثقافي أكثر من أي مجتمع آخر". وأن اكثر ما يستطيع أن
يوضح ذلك هي رحلة أبو عبدالله بن بطوطة (1304 – 1368) التي يصفها المؤلف بانها
اكبر رحلة لماقبل العصر الحديث، ويصف بن بطوطة بـ" بماركو بولو المسلم"
تيمنا باسم الرحالة الايطالي ماركو بولو، لكنه يستدرك من المقارنة حيث يشير الى ان
ماركو بولو وصل الى الصين، في حين تجاوزت رحلة بن بطوطة بلدان وثقافات عديدة أخرى
جلبها في عالمه الخاص "دار السلام".
ثم يعدد ملامح التلاقح الحضاري بين
الشرق واوروبا مشيرا الى فضل العرب القدامى واسهاماتهم المميزة في مجال الثقافة
والعلوم المختلفة. وعلى صعيد تاريخ الكتاب
يشير المؤلف الى ان بغداد كانت مركزا كبيرا للكتب، اذ وصل عدد المكتبات
التي وجدت في بغداد عام 891 الى مئة مكتبة. ولايغفل دور العرب في علوم الحساب حيث
يقول: "أن فن الحساب هو المجال الذي لدينا السبب الخاص في الاعتراف بفضل
العرب علينا فيه. فقبل كل شىء أن كلمة Siffra باللغة السويدية وتعني رقم، جاءت من اللغة العربية". ويستخدم
المؤلف مشتقات هذه الكلمة مشيرا الى ان كلمة Code هي من كلمة Chiffer الانجليزية والتي
اصلها الكلمة العربية صفر. ثم يشير المؤلف الى المسكوكات العربية التي اكتشفت في
السويد والتي بلغت ثمانمائة الف مسكوك فضي من العملة العربية التي تذكرنا، حسب
قوله، بعلاقاتنا التاريخية مع العرب. ويكرس المؤلف الفصل الاخير من الكتاب، وقد
وسمه بعنوان " مصدر عربي لتاريخنا القديم،
للحديث عن ماكتبه الرحالة العربي أحمد بن فضلان الذي وصف عند مروروه بسواحل
نهر الفولغا اقواماً
شقراً
كانوا يمارسون طقوس دفن زعيما لهم.. وكان هؤلاء القوم من السويديين الفايكنغ.
ويشكل وصف بن فضلان اليوم أهم مرجع تاريخي عن عادات وممارسات
السويديين القدامى.
وحيث يعود المؤلف الى العصر الحديث فهو
يحصي عددا كبيرا من المفردات في اللغة السويدية ذات الاصل العربي مشيرا الى ان
وجود مهاجرين عرب في المجتمع السويدي يعد اغناءا للغته وثقافته.
وقبل ان ننهي استعراضنا لهذا الكتاب
الذي حمله مؤلفه الباحث السويدي يان بريمان عنوان (ليس بدون العرب) لابد من
الاشارة الى ان كتباً عديدة ألفت من قبل كتاب سويديين تتحدث عن دور الثقافي
التاريخي للعرب والمسلمين، حيث عرف السويديون الاستشراق في القرن
السابع عشر ، عندما تأسست جامعة "اوبسالا" وجعلت تدريس اللغة العربية
الزاميا لطلاب العهد القديم، حيث تناولت اول اطروحة في شؤون الدين الاسلامي بعنوان
"اصول الدين المحمدي". وكان الاسلام، قبل ذلك معروفا للسويدين بقرون
عديدة، حسبما تشير الكثير من الدراسات التاريخية المعاصرة. اذ تشير الباحثة سيغريد
كاله الى ان ملك السويد كارل الحادي عشر كان مهتما كثيرا بالدرسات التي كانت تتحدث
عن الشرق، كما أن خلفه الملك كارل الثاني عشر كان يشجع علماء اللغة والمفكرين الى
السفر الى الشرق والاستلهام من كنوزه وعلى نفقته، وقد جمعت البعثات التي ارسلها
الى اسطنبول وخراسان نصوصا قيمة باللغتين العربية والفارسية اصبحت الان مصادر مهمة
للبحوث في جامعات السويد، بعدما تم اعدادها وتصنيفها بشكل علمي. وبسبب اهتمام كارل
الثاني عشر بالعلاقات الثقافية مع الشرق ومسلميه، كسر الملك فترة الحضر على جميع
الاديان، التي سادت السويد بين القرنين السابع والثامن عشر، والتي طغى فيها التزمت
البروتستانتي، عندما سمح بمرسوم ملكي لممارسة المسلمين طقوسهم احتفاءا بممثلي
"الباب العالي" الذين جاؤا من بطون الامبراطورية التركية لزيارة الملك،
وكان لذلك الحدث تأثيره الكبير لاحقا على مسار العلاقات التاريخية التي ربطت
السويد بالشرق الاسلامي في ذلك الحين. فبعد الخسائر الكثيرة التي مني به الملك
السويدي التجأ ونفر من حاشيته الى تركيا، وهناك اكتسبوا معارفا بلغات الشرق وفنونه
وعمرانه، حيث عاد الكثيرون منهم الى السويد حاملين معهم كنوزا من تلك المناطق. ثم
عززت الرحلات اللاحقة الى بلاد الشرق ومن ثم الاحتكاك التجاري عبر البحار تلك
المعارف عن عادات الشرق وثقافاته، حيث تطور كل ذلك الى احداث اقسام في عدد من
الجامعات لتدريس اللغات الشرقية ولهجاتها وظهور نخبة من المستشرقين الذين يمكن
تمييزهم عن زملائهم الاوروبيين بانهم يناصرون الموضوعية الى حدما، في ابحاثهم،
بعيدا عن نظرية الاوروسنتراليزم التي ترى في كل ما هو غير اوروبي عديم القيمة.
ولكن لابد من الاشارة ايضا الى ان هذه
الابحاث المنصفة للعرب والمسلمين مازالت تتراوح في دائرتها العلمية، بعيدا عن فهم
الانسان العادي الذي تبلور افكاره الصحافة اليومية بمانشيتات اخبارها التي تخلق
صورة اخرى عن المواطن العربي ـ المسلم، وهي نظرة اقل ما يمكن القول عنها انها تصفه
بالتخلف
عن ركب التاريخ، ولربما يتحمل المسلمون اليوم جزءا من خلق هذه النظرة
المسبقة!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق