من أدب الذاكرة
الفندق
*الى العم عبدالخضر ياس الشرباجي في ذكراه الرابعة والعشرين
غالبية المدن العراقية.. والفكرة من وراء ذلك هو التقشف بالكهرباء التي بات العراق يستوردها. وقد أصبح شراء كهرباء من "مولدات" أهلية، تجارة رائجة لا تختلف عن أية تجارة في بضاعة اخرى، لا بل أهمها. لكن الفندق الذي صعدت درجاته وتربطني به حكايات ذات نكهة خاصة وراحت عنه الوطنية ليس لديه مولدة كهرباء أخرى. وكأن هذه البناية أبت إلا أن تكون وطنية بإمتياز، فتحملت قسطها مما تحمله الوطنيون.
رغم انقط انطفاء الضوء واصلت صعودي، كانت قدماي تتسابقان على درجات السلم تدفعهما غريزة الانتماء والحنين وذاكرة المكان فكل قطعة منه تعرفني، مذ كان بيتاً طينياً لم يسكنه أحد، وقد أستخدم مخزناً لمبيعات الجملة من الخضروات والفواكه وغيرها. قبل أن يحوله عمي أبو الياس الى بناء من ثلاثة طوابق. صمم الطابق الارضي ليكون مقهى ومحل تجاري وصالون حلاقة للرجال فوقها الفندق، الذي جُهزت غرفه بأسرّة من خشب الصاج ذات النوعية المفتخرة وأفرشة ناصعة البياض. كان موقعه المتميز المطل على الشارعين العام والفرعي الموصل الى بداية السوق الكبير، اوحى للعم أن يحوله الى فندق بمواصفات راقية... لكنه لم يتوقع بأن كلفته ستكون باهضةً، حيث تطلب وضع أساسات البناء مبالغ طائلة، فضلاً عن الجهود الكبيرة التي بذلت فيه. أتذكر بأنه كلما حفر عميقا في الارض، كلما نزّت المياه من باطنها، مما اضطره الى أن يستأجر ساحبات ضحمة تعمل على الطاقة الكهربائية، يوم كانت على وفرتها، لتجفيف الحُفر وطمرها بالكونكريت المسلح بأعمدة حديدية..
كانت الماكنات تغرز مخالبها داخل الأرض لتصنع حفرأً تُصب
فيها أعمدة الكونكريت المسلحة بأعمدة الشيلمان. بعد سحب المياه منها التي بلغت مقادير كبيرة ضننتها تكفي لنهر كبير. أو كما لو أن الفرات الذي يبعد بضع كيلومترات
عن المكان قد غير مجراه نحوه. حتى اصبح بناءً رصيناً ثابتاً.
كنتُ، ورغم صغر سني، بمثابة اليد اليمنى لعمِّي أبو ياس في كل شئ ، كنت أعد له قوائم المواد المطلوبة ودفاتر الحسابات الخاص به وبأعماله التجارية، ومن ثم مديراً للفندق. أجلس الى مكتب وأمامي سجل أدون فيه اسماء وبيانات النزلاء وتلفون أرضي مصنوع من الخشب، على ما اتذكر. كان العم ابو ياس، كما كان يلقب، لم تكن، لديه ذرية في ذلك الوقت، بسبب عقم زوجته الاولى، لكنهما عاشا معاً أكثر من عشرين عاماً، حتى تزوج، بدعم منها، امرأة اخرى أنجبت منه اربع بنات وولداً واحداً أسماه علي، تيمناً بأسم أخي الراحل علي .
كان عبد الخضر ياس الشرباجي انساناً ذا عقلية تجارية حاذقة، عمل في كل ميادين السوق فضلا عن تمتعه بصفات انسانية عالية وطيبة قل نضيرها، شخصية محبوبة ومن وجهاء المدينة، كان مهموماً بمساعدة الآخرين، والفقراء منهم، بشكل خاص. وبالرغم من انه لم يتعلم القراءة والكتابة في صباه لم يقف عنده السن عائقاً للتعلم، حيث استأجر معلماً ليعطيه دروسا خصوصية باللغة العربية كتابة وقراءة وفي الحساب.
