"أنسنة"
التكنولوجيا وليس "تكنلجة" الإنسان!؟
طالب عبد الأمير
يفترض أن تُزود آليات
التطور التكنلوجي بشحنات إنسانية تجعل الحياة أكثر أماناً وحيوية.، وليس العكس بنزع
إنسانية الانسان وجعله أداة من ادواتها. والسبب بسيط جداً، ذلك لأن الانسان يشكِّلُ
، جوهر
النمو والتطور الذي وصلت اليه البشرية على مر الأزمنة والعصور. إذ جاءت هذه
الإنجازات بفضل ذكاء الانسان الذي صقلته الآلة التي اكتشفها هو، بعد أن تحرر من
أسر الطبيعة بكل ما يكتنفها من أسرار وظواهر. لم يجد، في البدء تفسيرات لها فنسبها
الى الغيبيات، الى الميتافيزيق . لكنه بعد أن أستطاع التعرف على قدرته الكبيرة، على
التفكير والادراك والتعمق فيه، والذي جسّده في علوم عصر النهضة و التنوير، تم اختزال
المسافات الزمانية وصولاً الى الرقميات والذكاء الاصطناعي الذي يمثّل حتى الآن
ذروة ما توصل اليه العقل البشري.
أن وراء التسامي بالمعارف والعلوم الذي يمتد مساره
عبر قرون عديدة، ثمة عالم متحرك، يبدأً من أصغر حبة رملٍ في أقاصي هذا الكون، المترامي،
الى آخر جزيء بتركيبة كيميائية، في انبوبة مختبر، تنتظر دورها لتأخذنا الى مسار
جديد من مسارات النمو الحلزوني للمعرفة الذي يتوصل معه الإنسان منذ قرون بعيدة. بعدما أزاح منقبو الآثار غبار الأزمنة عن بوابة المعرفة. ودخلوا
من خلالها الى عالم قديم عمره آلاف السنين، عالمٍ مركب من ألواح طينية نقشت عليها
معادلات حسابية معقدة، لكن بأدوات بسيطة. فمن هنالك بدأ المنطلق. وهناك كمنت
التفاصيل.
ثم تراكمت المعرفة، وتعددت مساراتها و منعطفاتها،
حتى وصلت بيت الحكمة، وخرجت منه بأركان العالم الرقمي في عصرنا هذا، حيث كان محمد
بن موسى البغدادي، الملقب بالخوارزمي قد أوجد نقطة تلاقي هذا العالم وتفاعلاته،
وأكد على أن لكل شيء في هذا الوجود قيمة، حتى الصفر.
الخوارزمي أب الحاسوب - الكومبيوتر والشبكة، الذين
شكلا أساساً مهما للثورة الصناعية الرابعة، حسب التصنيفات الجديدة لإفرازات التطور الذي نقل البشرية من حال الى حال، رغم أن الزمن يمتد بينهما مئات
السنين. حدثت خلاله ابتكارات مهمة كثيرة وأساسية شكلت بنية عالمنا الإفتراضي، هذ
العالم الذي خلقه الإنسان وراح يسعى بشكل حثيث الى تطويره بإيجاد آليات جديدة،
يجري تجديدها في منعطفات مصيرية خلال مسيرة الزمن نحو المستقبل. وليس العالم
الافتراضي فقط من شمله التغيير، بل وحتى عالمنا المادي الذي عاش فيه البشر حفنة من
الدهور، تعرض وما يزال الى زلازل التغيير، الذي تجسدت دلالاته في كثرة "الما بعديات"،
والتي تعني التجاوز الزمكاني للظاهرة المعينة، وهي تحمل بعداً فلسفياً يسميه البعض
تناحر المفاهيم: منذ ما بعد الطوفان، وما بعد الحداثة، ما بعد العولمة...وما "بعد
الإنسانية"..
في كل مراحل التاريخ الانساني، التي تلت المرحلة البدائية، او بعد انتقال الانسان من الفطرة الى المدنية، لعبت منظمات المجتمع المدني دوراً أساسيا في نهضة الدول وتقدمها، وعبرت بها من بحر التخلف والايمان بالخرافات وغيرها الى مستويات عالية من التقدم والازدهار، ومازالت منظمات المجتمع المدني في اوروبا، تلعب دورها هذا حتى في الدول التي رسخت انظمتها الديمقراطية، وانتقلت بها الى مجتمع الرفاهية، كما هو الحال في السويد على سبيل المثال، إذ تبدلت وظائف هذه المنظمات، بما يتناسب وسياق التطور التاريخي، السياسي والإقتصادي في هذه البلدان، التي انتقلت من بنية سلطة كانت تقودها النخب، وتتحكم في مفاصلها وفق تقاليد موروثة تعتمد على الغيبيات والتقديس الى دول مدنية، ديمقراطية تعتمد اساساً على المجتمع المدني في تنفيذ وظائفها.