الجمعة، 30 سبتمبر 2022

 

"أنسنة" التكنولوجيا وليس "تكنلجة" الإنسان!؟

طالب عبد الأمير

يفترض أن تُزود آليات التطور التكنلوجي بشحنات إنسانية تجعل الحياة أكثر أماناً وحيوية.، وليس العكس بنزع إنسانية الانسان وجعله أداة من ادواتها. والسبب بسيط جداً، ذلك لأن الانسان يشكِّلُ  ، جوهر  النمو والتطور الذي وصلت اليه البشرية على مر الأزمنة والعصور. إذ جاءت هذه الإنجازات بفضل ذكاء الانسان الذي صقلته الآلة التي اكتشفها هو، بعد أن تحرر من أسر الطبيعة بكل ما يكتنفها من أسرار وظواهر. لم يجد، في البدء تفسيرات لها فنسبها الى الغيبيات، الى الميتافيزيق . لكنه بعد أن أستطاع التعرف على قدرته الكبيرة، على التفكير والادراك والتعمق فيه، والذي جسّده في علوم عصر النهضة و التنوير، تم اختزال المسافات الزمانية وصولاً الى الرقميات والذكاء الاصطناعي الذي يمثّل حتى الآن ذروة ما توصل اليه العقل البشري.

أن وراء التسامي بالمعارف والعلوم الذي يمتد مساره عبر قرون عديدة، ثمة عالم متحرك، يبدأً من أصغر حبة رملٍ في أقاصي هذا الكون، المترامي، الى آخر جزيء بتركيبة كيميائية، في انبوبة مختبر، تنتظر دورها لتأخذنا الى مسار جديد من مسارات النمو الحلزوني للمعرفة الذي يتوصل معه الإنسان منذ قرون بعيدة.  بعدما أزاح منقبو الآثار غبار الأزمنة عن بوابة المعرفة. ودخلوا من خلالها الى عالم قديم عمره آلاف السنين، عالمٍ مركب من ألواح طينية نقشت عليها معادلات حسابية معقدة، لكن بأدوات بسيطة. فمن هنالك بدأ المنطلق. وهناك كمنت التفاصيل.

ثم تراكمت المعرفة، وتعددت مساراتها و منعطفاتها، حتى وصلت بيت الحكمة، وخرجت منه بأركان العالم الرقمي في عصرنا هذا، حيث كان محمد بن موسى البغدادي، الملقب بالخوارزمي قد أوجد نقطة تلاقي هذا العالم وتفاعلاته، وأكد على أن لكل شيء في هذا الوجود قيمة، حتى الصفر.

الخوارزمي أب الحاسوب - الكومبيوتر والشبكة، الذين شكلا أساساً مهما للثورة الصناعية الرابعة، حسب التصنيفات الجديدة  لإفرازات التطور الذي نقل البشرية من  حال الى حال، رغم أن الزمن يمتد بينهما مئات السنين. حدثت خلاله ابتكارات مهمة كثيرة وأساسية شكلت بنية عالمنا الإفتراضي، هذ العالم الذي خلقه الإنسان وراح يسعى بشكل حثيث الى تطويره بإيجاد آليات جديدة، يجري تجديدها في منعطفات مصيرية خلال مسيرة الزمن نحو المستقبل. وليس العالم الافتراضي فقط من شمله التغيير، بل وحتى عالمنا المادي الذي عاش فيه البشر حفنة من الدهور، تعرض وما يزال الى زلازل التغيير، الذي تجسدت دلالاته في كثرة "الما بعديات"، والتي تعني التجاوز الزمكاني للظاهرة المعينة، وهي تحمل بعداً فلسفياً يسميه البعض تناحر المفاهيم: منذ ما بعد الطوفان، وما بعد الحداثة، ما بعد العولمة...وما "بعد الإنسانية"..

 

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2022

قضايا

تفعيل المجتمع المدني عامل أساسي في بناء الدولة المدنية الديمقراطية

طالب عبدالاميرفي كل مراحل التاريخ الانساني، التي تلت المرحلة البدائية، او بعد انتقال الانسان من الفطرة الى المدنية، لعبت منظمات المجتمع المدني دوراً أساسيا في نهضة الدول وتقدمها، وعبرت بها من بحر التخلف والايمان بالخرافات وغيرها الى مستويات عالية من التقدم والازدهار، ومازالت منظمات المجتمع المدني في اوروبا، تلعب دورها هذا حتى في الدول التي رسخت انظمتها الديمقراطية، وانتقلت بها الى مجتمع الرفاهية، كما هو الحال في السويد على سبيل المثال، إذ تبدلت وظائف هذه المنظمات، بما يتناسب وسياق التطور التاريخي، السياسي والإقتصادي في هذه البلدان، التي انتقلت من بنية سلطة كانت تقودها النخب، وتتحكم في مفاصلها وفق تقاليد موروثة تعتمد على الغيبيات والتقديس الى دول مدنية، ديمقراطية تعتمد اساساً على المجتمع المدني في تنفيذ وظائفها.

ولو عدنا الى نشأة الدول لوجدنا انها ارتبطت أساساً بوجود مجتمع، اذ لا يمكن الحديث عن بناء دولة، أي كان شكلها، دون أن تكون لها أرضية وركائز مجتمعية أساسية تستند عليها. وعبر التاريخ نشأ وتطور مفهوم الدولة، باعتبارها ظاهرة إجتماعية، انطلقت على أساس  التطور المجتمعي للإنسان، مذ أن تحرر من ارتباطه بالطبيعة، حيث كان يعتبر جزءاً منها، فأصبح يخضعها الى احتياجاته وتطوره الى كائن اجتماعي، تطلب منه ان يكون فرداً ضمن مجموعة نمت لتصبح مجتمعاً،  فبرزت الضرورة لتنظيم حياته اليومية، وإدارة فعالياته. فأُنشأت الدولة. لكن المجتمع كيان حي متطور، تتبلور صفاته من احتياجات الانسان وتطلعاته، وبالتالي مصالحه. وفي سياق التاريخ برزت أشكال جديدة للعلاقات والتناقضات وتعدد واختلاف المصالح أدت الى تشكل فئات طبقية وسياسية مختلفة، أفرزت خلال عملية الصراع فئات سيطرت على مفاصل تنظيم المجتمع، بل وعلى الفئات الأخرى، فاصبحت الدولة أداة لتنظيم عملية هيمنة القوى المسيطرة سياسيا وإقتصادياً ومن ثم اجتماعياً.


"الشاعر الذي فتحت لنا قصائده طريقا نحو الحقيقة"



وقت النشر måndag 30 mars 2015 kl 14.43

طالب عبد الأمير

اهتمت وسائل الاعلام في العديد من مناطق العالم، ومنها في العالم العربي برحيل الشاعر السويدي المعروف توماس ترانسترومر، الحائز على جائزة نوبل في الأدب العام 2011، الذي وافته المنية ليلة الخميس الماضي عن عمر ناهز الثالثة والثمانين.

في السفير اللبنانية كتب الشاعر عباس بيضون من ان تراسترومر اكثر من شاعر، "فما يحدثه فيك نصّ ترنسترومر هو أحساس عميق بالمغامرة، أحساس شبه جسدي كتلك القصيدة التي يروي فيها الشاعر انه استيقظ على مقعد سيارته وبقي وقتاً لا يعرف نفسه. مع ذلك في هذا الشعر قيم كبيرة ضامرة فيه، كما ان فيه حساً يتردد بين عادية مفرطة وبين سمّو أخاذ".

صحيفة الدستور الاردنية لقبته بأمير شعراء السويد، و شبكة الاعلام العراقي وصفته بشاعر الفجر وموسيقى الوجود. فيما كتبت صحيفة دوت مصر على النت تحت عنوان "عندما تصفق الواحدة" اشارة الى ان الشاعر الراحل كان يكتب ويعزف الموسيقى بيده اليسرى فقط!، بعد ان شُلت اليمنى، بعد جلطة دماغية قبل اكثر من عقدين من الزمن، اقعدته عن السير ومنعته من النطق. ترانسترومر كسر المثل الذي يقول "اليد الواحدة لا تصفق".

يعد ترانسترومر اكبر شاعر سويدي معاصر، ذاع صيته في العالم، نال جائزة نوبل في الأدب، العام 2011، بعد ما يقرب من اربعة عقود من منحها لعام 1974 الى كاتبين سويديين وهما ايفيند يونسون وهاري مارتينسون، مناصفة.

ولد ترانسترومر في الرابع من ابريل، نيسان العام 1931 في ستوكهولم من أب صحفي ومحرر صور وام معلمة في مدرسة شعبية، وقد انفصل الأب والأم مع بداية عمره، حتى انه لم يلتق بوالده طيلة حياته سوى مرة واحدة.
في صغره بدأ توماس ترانسترومر بمحاولة اكتشاف العالم، عبر الطائر الذي رسمته الكاتبة سلمى لاغرلوف، في روايتها الشهيرة "رحلة نيلس هولغرسون الرائعة عبر السويد" حيث ظل يتابع بعينيه خارطة العالم وجغرافية البلدان، حالماً بان يكون رحالة. لقد كان مهتما بقراءة كتب المعلومات والمعارف اكثر من قراءة الشعر الذي بات بارعا في صياغته، وقد بدأ ينظمه وهو الصف الثاني متوسط، واصدر اول مجموعة شعرية بعد ان بلغ 23 عاماً من العمر، حيث كان على مقاعد الدراسة الجامعية متخصصاً في تاريخ الاديان، رغم انه لم يكن ميالا الى الدين ولم يُعمّد في كنيسة، ذلك لأنه لم يجد دينا يؤمن به، كما عبّر ذلك في احدى المرات، في احد اللقاءات، فتوجه الى تعلم الموسيقى والعزف على البيانو بديلاً.
الموسيقى تصبح لاحقاً موضوعة متكررة في شعر ترانسترومر وجزءا من حياته، خاصة بعد ان فقد قدرته على النطق والحركة اثر جلطة دماغية شلت نصفه الايمن، منذ اكثر من عشرين عاما مضت.

قبل ان يتفرغ للشعر ويمتهنه تماما، عمل ترانسترومر في اصلاحية لأعادة التأهيل كمعالج نفسي، كما عمل في نفس المهنة بمعهد سوق العمل. عمله في المجال النفسي الاجتماعي وحبه للموسيقى ودراسته لتاريخ الاديان منحته هذه التركيبة شعراً هو بمثابة "صلاة علمانية" حسب احدى الدراسات الجامعية عن شعره ترانسترومر.
منذ صدور مجموعته الشعرية الاولى العام 1954 والتي عنونها بـ "17 قصيدة" اعتبره النقاد مشروع شاعر واعد. وهو شاعر يكتب قصيدته بتأن وروية، يرى القصيدة في اكتمال بلوغها، وقد اعتاد ان يقول عن نفسه، في بعض الاحيان، بأنه " شاعر لم ينضج بعد"، فيما ذكر الكاتب بير فيستبيري بأن ترانسترومر وخلال أربعين عاما، ظل يكتب بالمعدل كلمة في اليوم الواحد، ولكنه في نفس الوقت يمكن ان يكتب قصيدة من 200 صفحة، أي مايعادل رواية كاملة.

غالبية المتابعين لشعره يلحظون تشابكاً بين اللغة والواقع، او الحقيقة، ان صح التعبير، كما يتلمس ميلاً الى النطق بلغة الجمع، اذ يكثر ترانسترومر من استخدام ضمير " نحن" ويقل من استخدام "الأنا"، على الاقل في قصائده الاولى.
واحدة من اكثر المسائل اساسية في تعامل الشاعر مع ادواته الشعرية هي اللغة، لكن علاقة هذه الاداة بتوماس تروانسترومر لاتخلو من تعقيدات، اذ يأتي، احياناً، مفهوم " كلمات" في سياق ما بقصيدة توماس ترانسترومر مغاير تماماً لما يعنيه بمفهوم "اللغة"،
في قصائده يختار ترانسترومر لغة خاصة مشحونة بالاستعارات التصويرية، تمكن القارئ من تهجىء كلمات الحقيقة. كما وصفت دراسة عن شعر ترانسترومر.

لم يكن الشعر وحده يشغل عالم ترانسترومر، بل وكذلك الترجمة الأدبية التي اهتم بها، اذ البس عددا من القصائد الاجنبية لبوسا سويدية. فهو لايضع حدا فاصلا بين الشعر المترجم والشعر الأصل، بل يعتبر الشعر بلغته الأصلية ترجمة بحد ذاتها.
فهو لا يؤمن بوجود حدود بين فضاءات اللغات، طالما ان سمة القول الشعري تحمل صورا تعبر عن خلجات ومعايشات لا تنتمي الى بقعة جغرافية محددة. كما " أنه من خلال صوره العميقة المكثفة يمنحنا طريقا نحو الحقيقة"، حسب تعبير الاكاديمية السويدية في معرض اعلانها عن منح الجائزة لتوماس ترانسترومر العام 2011.

ترانسترومر ترجم الى لغات عديدة جدا ومنها العربية. الاولى كانت للشاعر علي ناصر كنانة لمجموعة شعرية واحدة لترانسترومر، في العام 2003 هي " ليلا على سفر". ولكن في 2005 صدرت المجموعة الكاملة لقصائد ترانسترومر بالعربية بترجمة قاسم حماده واشراف الشاعر ادونيس
كان احتفال مهم اقيم لترانسترومر وزوجته في دمشق وبيروت وقتها على شرف اصدار المجموعة باللغة العربية، عادا منها ممتنين للحفاوة التي لقيهما.

طالب عبد الأمير

* إذاعة السويد بالعربية 

 


الأربعاء، 4 مايو 2022

رواية «سويج الدجة» لرحمن خضير عباس

 

رحلة الذاكرة إلى مدينة الطفولة بعد 5 عقود

طالب عبد الأمير

 جريدة الشرق الأوسط \الثلاثاء - 25 شهر رمضان 1443 هـ - 26 أبريل 2022 مـ رقم العدد [ 15855]

للكاتب رحمن خضير عباس، صدرت أخيراً رواية «سويج الدجة» عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وهو يسرد فيها سيرته الذاتية، أو بالأحرى سيرة المدينة التي ترعرع فيها، قبل أن تعصف به، وبالكثير مثله، الرياح العبثية المدججة بأسلحة السلطة البعثية فتدفع به أشرعة الرحيل إلى موانئ المدن الغريبة.
ورغم أن المؤلف، لم يقدم عمله كسيرة ذاتية، أو سيرة مدينة، كما كتب في مقدمته لأن هذا «عمل المختصين» فهناك ما يوحي، بالنسبة إلي على الأقل، إلى أنها واحدة من حكايات المدينة التي عاش فيها طفولته. وهذا بحد ذاته يعتبر مهمة صعبة يتصدى لها أي كاتب، أو ربما تعتبر 

من أصعب المواقف التي يكون فيها الإنسان شاهداً، بل ويكون مطمئناً من أن شهادته حقيقية»، كما قال مرة الروائي الراحل عبد الرحمن منيف.
يسبر عباس تفاصيل مدينته «سويج الدجة» المبهمة بالنسبة للقارئ، خاصة أن اسمها غير مألوف للكثيرين، وربما تعود جذور التسمية إلى السومريين - سومرية، فهي لا تبعد كثيرا عن بقايا بلاد سومر العريقة. وهو حينما يتحدث عن المدينة، التي تبدل اسمها عدة مرات وتحولت من ناحية إلى قضاء، لا يعني فقط شوارعها المتداخلة بين البيوت والأحياء والنهر الذي يمر في جسدها، بل وأناسها الذين يرتبطون بعلاقة جدلية معها، وعن شخصيات أسهمت في خلق ذاكرة المدينة، عاكساً لنا من خلال ذلك من خلال ذلك العلاقة المتبادلة بين الإنسان والمدينة

إن تناغم السرد بين السيرة الذاتية للكاتب وسيرة المدينة، أمرٌ مألوف عند الذين تناولوا علاقتهم بالكيانات الجغرافية والاجتماعية التي احتضنت طفولتهم. وبالطبع، لا يمكن الفصل بين الاثنين، لكن الاختلاف يكمن في التفاصيل وكيفية سرد حالات معينة يجري فيها تغليب الحديث عن فضاءات على أخرى.

ورغم اختلاف زوايا الرصد لتلك الأحداث التي منحت الكاتب إمكانية معايشة صيرورتها أو حتى المساهمة فيها نظراً لتغير البشر في الزمان وحركة الأمكنة، وتحوله بعدئذ إلى تقمص دور المُستطلع لما جرى ويجري فيها، منحنياً «على فوهة بئر عميق عمره عشرات السنين»، إلا أنه يحاول أن «يصفي مياهه بعينين أجهدهما الغوص في المديات». ولكي يكون دقيقا في الوصف استعان الكاتب بمجايليه من أبناء المدينة، من الذين ما زالوا يعيشون فيها أو بالقرب منها، لمعرفة بعض التفاصيل التي تسربت من ذاكرته بعد أكثر من خمسة عقود من فراقها. وفي الحقيقة، إنه، عبر السرد ذي الإيقاع الهادئ، لا يستحضر الذكريات، وإنما هو يعيد صداها المرتد عن حياة المدينة، التي مضت ولن تعود إلى الأبد.
هو لا يتذكر متى انتقل إلى «سويج الدجة» مع عائلته، لكنه يستطع أن يصف بيتهم المشيد فيها من الطين. البيت الملاصق للشارع الترابي المؤدي إلى الناصرية بتفاصيل دقيقة لا ينسى منها حتى نوع الخشب الذي صنع منه الباب. بل وحتى «التنور» الطيني الذي «تسجره» الوالدة بالحطب، ثم تحول «شنك» العجين إلى خبز طازج. لقد وظف الدلالات والمفردات التي أخذها من بيئتها المحلية ليكون دقيقاً في وصف الحالة التي كانت تعيشها عائلته وبقية العائلات التي تسكن بيوت الطين، فصنع من هذه المفردات التي استنطقها من صمت الماضي أدوات لذاكرة المدينة وذاكرة الناس فيها، ليقرأ فهي في ثناياها طبيعة التبدلات في أحوالها وأحوالهم والتفاصيل التي تركت لمساتها وما تحتويه من تشابهات واختلافات، بل وحتى تناقضات في العلاقة بين البشر، بعضهم البعض، وفيما بينهم وبين المدينة من خلال السرد الذي قد يسمى مجازاً بالروائي السير - ذاتي.
فالوالد، الذي انتقل بعائلته إلى هذه البلدة الصغيرة أملاً بالترقية الوظيفية، تضيع فرصته بقدوم شخص يدعى علي الريس، (أبو حازم)، من مدينة بعيدة أخرى ليسكن في «سويج الدجة» حاملا لتلك الصفة الوظيفية التي كان يحلم بها خضير عباس والتي انتقل وعائلته من أجلها. ولكن هذا الأمر، الذي سبب لعائلته الأسى والألم، لم يؤثر البتة، على طبيعة الوشائج والعادات السارية في مثل هذه المناطق. إذ ورغم أن الريس كان بمثابة الند لخضير عباس لكونه تسبب في حرمانه من الترقية، فإن هذا لا يمنع من أن تكون أجواء العلاقات الاجتماعية طيبة بين العائلتين. «بيت علي الريس الذي حرم أبي من الترقية، غير بعيد عن بيتنا، لذلك فنتبادل الطعام في الأماسي الرمضانية». يقول الكاتب رحمن خضير عباس.
هذه الدلالة نجدها تتكرر عندما يتحدث الكاتب عن السينما المتنقلة حينما عرضت فيلم سعيد أفندي: «لم ينس أهل المدينة حينما عرضت تلك السينما المتنقلة فيلم سعيد أفندي. والذي يتحدث عن معلم يسمى سعيد، يبحث عن دار للإيجار. بعد أن طرده صاحب الملك، وبعد جهود يؤجر - أو كما يقول هو «يكتري» وذلك لتأثره بمفردات من اللهجة المغربية - دارا في منطقة الحيدرخانة ببغداد، حيث الحي المكتظ بالسكان، وكانت العلاقة بينه وبين جاره الإسكافي بين مد وجزر، نتيجة لشقاوة الأطفال. وقد حدثت بينهم الكثير من المشاكل، مما حدا بسعيد أفندي أن يقاطع جاره الإسكافي، «ولكن الطيبة بين الجيران تتغلب على عوامل الشر»، كما يقول الكاتب.
كل سيرة، ذاتية أو كتابة عن ذاكرة مدينة لا بد لها أن تمر عبر المدرسة، هذا العالم منفتح على الدلالات. يحدثنا عباس عن مدرسته المختلطة للبنات والبنين، وعن التلامذة الذين يأتون إليها من قراهم المتناثرة في الريف، والذين يتميزون عن أبناء المدينة «فهم يأتون إلى المدرسة قاطعين المسافات الطويلة، هم أكثر جدية منا نحن أبناء المدينة، فعلامات النجاح والتقدم تُحرز من قبلهم أكثر منا وكذلك الألعاب الرياضية، مما يجعل أهلنا يشعرون بالاستغراب المشوب بالغيرة والحسد من هذه الظاهرة».
ومن بين ثنايا السرد الذاتي يأخذنا الكاتب إلى الفضاء الأشمل، إلى الوطن والمنعطفات السياسية وتأثيراتها على المدينة. يحدثنا عن «قطار الموت»، وانقلاب البعثيين في «شباط الأسود» عام 1963. والانتفاضة المسلحة التي قامت بها مجموعة من الشيوعيين في أهوار تلك المنطقة القريبة من «سويج الدجة» ضد حكم البعثيين. فيفرد لها الكاتب فصلا من كتابه وهو (الفصل الحادي والعشرون) ليختتم به الحديث.
ومن خلال السرد يعرفنا، على طارق السبهان، أحد أبطال المدينة، منذ ولادته وحتى استشهاده بطريقة مأساوية، «على الطريق الرملي الذي يربط الناصرية بالبصرة، حيث وُجِدَت جثة مرمية على الرمل: كانت ملامح القتيل غير واضحة، ويبدو عليها هزال التجويع والتعذيب الذي طرز جسده النحيل بالكدمات، قبل أن تخترق صدره خمسُ رصاصات وتتوغل في جسده، فتحرق دماءه التي ظلت تتدفق من خلال ثقوب القسوة المرعبة، لتكون بركة من الدم، تتغلغل في التربة الصحراوية...».