نبوءة الـرواية ودرامية الزمن الآتي
طالب عبد الامير
لاشك في أن
سعي الكاتب الى رواية أحداث الماضي ينطوي على رغبة منه في أيقاظ وعي الناس
بالتاريخ ودروسه وعبره، ويفترض أن يكون تاريخ الصراعات الدموية بين البشر أقسى
درساً تتعلمه الاجيال اللاحقة. ولكن مايبدو هو العكس ونحن نشهد المذابح البشرية
بين الاحفاد، في عصرنا الحالي، على شئ تهادن وتساوم عليه الاجداد في عصور غابرة من
التاريخ. ويتضح أن الانسان لم يتعلم من التاريخ سوى كيفية الاستفادة من النواقص
التي شابت تلك الصراعات لتجاوزها، ليس من أجل درء التناحر، بل في سبيل تأطيره بإطر
عصرية وإستخدام وسائل دمار أكثر فتكاً. وما الحرب اتناحرية القذرة في البوسنة
والهرسك التي دامت أكثر من أربعة أعوام، الا دليل على هذه الصلة المتأصلة بين
تاريخ الصراعات ونزعة الانسان الى تكييفها ضمن ظروف ومنطلقات عصرية. ويتسائل
المرء: أين كانت تلك الأحقاد مختبئة كل هذه القرون من الزمان وكيف أستطاعت أن
تتزلف بأقنعة الوئام والاخوة والاتحاد وماشابه. نعـم، لقد صمتت المدافع ولم يعد
أحداً يسمع أطلاقات نار الحرب، بعد أن ألقى المحاربون أسلحتهم وهووا على الارض
متعبين يتحسسون آلامهم. ولكن من يضمن أن صمتها سيكون أبدياً، وأن جمرات الحقد لم
تتقد ثانية بعد عشرات أو مئات السنين. سؤال تترك إجابته للانسان ذاته فهو المعني
بالدرجة الاولى في كل هذا.
عندما نشر الكاتب (اليوغسلافي) الحاصل
على جائزة نوبل للآداب عام 1961 إيفو آندريتش روايته الشهيرة جسر على نهر درينا
" لأول مرة كان ذلك عام 1945. وهو العام الذي شهد إنتهاء الحرب العالمية
الثانية وولادة الاتحاد اليوغسلافي الذي أصبحت يوغسلافيا بموجبه، ولغاية تفككها في
بداية التسعينات، تضم ست جمهوريات متحالفة فيدراليا ومتمتعة بحكم ذاتي، وهي صربيا،
كرواتيا، البوسنة والهرسك، سلوفينيا، الجبل الاسود ومقدونيا. كان سكان هذه المناطق
الواقعة على شبه جزيرة البلقان قد خاضوا، كتفا الى كتف، حرب عصابات شرسة تحت قيادة
المارشال تيتو ضد الاحتلال الالماني النازي حتى طرده من البلاد وإقامة نظام حكم
(إشتراكي) فيه، ولكن من نوع خاص سمي بـ"التسيير الذاتي". وطيلة سنوات
حكمه التي امتدت لأكثر من أربعين عاماً، استطاع يوسف بروز تيتو أن يحافظ على
يوغسلافيا موحدة مستقلة عن الحلفين الشرقي والغربي، بعد إبتعاده عن دائرة النفوذ
الستاليني، منذ بداية تأسيس الجمهورية الاتحادية. كما وجعل لها مكانة دولية امتازت
بها بين بلدان "العالم الثالث" من خلال اسهامه، سوية مع جمال عبد الناصر
وجواهر لال نهرو في تأسيس حركة عدم الانحياز عام 1954، فضلاً عن نجاحه في تعزيز
لحمة التحالف بين سكان الجمهوريات اليوغسلافية تحت شعار "الاخوة
والوحدة"، هذا الشعار الذي أخذ يهتز بعد وفاته.
ورغم أن رواية " جسر على نهر درينا
" تتحدث عن فترة تاريخية سبقت تأسيس اتحاد الجمهوريات اليوغسلافية بعشرات
السنين الا اننا نتلمس فيها مواضع تدلنا على عمق الصلة بين أحداثها وبين ماآلت
اليه أوضاع المنطقة وتفكك هذا الحلف. فبعد أكثر من خمسة عقود على صدور الرواية
وتأسيس الاتحاد الفيدرالي نجد أن بذور الشقاق والاحتراب بين شعوب المنطقة التي
أشار اليها المؤلف، قد نمت بعد وفاة تيتو
ببضعة أعوام فقط، لتظهر الاحقاد الخفية بين الصرب والكروات وبينهما وبين البوسنيين
(المسلمين)- صنّف المسلمون في يوغسلافيا السابقة كقومية - على أرض البوسنة
والهرسك، وتحولت الى نزاع دامٍ وحرب عرقية قذرة استمرت أكثر من اربعة اعوام، خلفت
آثاراً سيئة على العلاقات التاريخية التي ربطت بوشائجها شعوب المنطقة، وأعادت مناطق
السلاف الجنوبيين الى الخلف عشرات السنين.
تتحدث الرواية عن جسر تم تشييده ليربط
ضفتي نهر " درينا " الذي يفصل بين صربيا والبوسنة. والجسر بمفهومه
المادي والمجازي يعني الالتقاء والتواصل، لكننا نراه أيضاً، ضمن هذا السياق،
منطلقا للصراع بين الشرق متمثلا بالاتراك العثمانيين، الذي بناه ليمد صلاته مع
أبناء البوسنة الذين يقطنون وسط أوروبا واعتنقوا الاسلام، والغرب الذي أراد قطع
هذه الرابطة. ففي عام 1389 استطاع العثمانيون السيطرة على صربيا التي كانت خاضعة
حينذاك لحكم امبراطورية الروم البيزنطينيين. وكان الصرب قد اعتنقوا الديانة
المسيحية الارثودوكسية في نهاية القرن السادس. وبعد أكثر من أربعمئة عام من
الاحتلال العثماني لصربيا، تمكن الصرب بعد أن خاضوا صراعا عنيفا وحرب عصابات
مستمرة، وبمساعدة روسيا القصرية من الاستقلال. وقد تم اجلاء آخر الفصائل العسكرية
التركية منها عام 1867 . حيث تولى الامير الصربي " ميلان " حكم البلاد
وأقام بها نظاما جديدا وضع له قوانين ودستور، ولكنه عمل أيضاً على إيقاض الشعور
القومي عند الصرب وتأجيج روح العداء للأتراك، الذين ظلوا يسيطرون على البوسنة حتى
عام 1878، فاشتبكوا معهم، خلال مساندتهم
للثورة التي اندلعت في البوسنة والهرسك ضد الحكم العثماني حينذاك.
تعود علاقة الصرب بالبوسنيين لقرون
عديدة سبقت ذلك التاريخ، فقد سكن الصرب البوسنة في القرن السابع ونمت بينهم علاقات
طيبة ردحاً طويلاً من الزمن. وبعد اندلاع الحرب المجرية النمساوية ضد صربيا التي
كانت تشمل أقليمى الجبل الاسود والهرسك أيضاً، تمكنت المجرـ النمسا من اقتطاع
منطقة الهرسك وضمها الى البوسنة التي كانت تحت وصايتها منذ القران الرابع عشر،
ومنذ ذلك الحين أصبح الاقليم يعرف بـ"البوسنة والهرسك".
قبل أن يحتل العثمانيون البوسنة
والهرسك، كان هذا الاقليم يخضع للسيطرة المجرية ولكن تنامي النزاعات الطائفية بين
الكاثوليك والارثودوكس، أي بين الصرب والكروات، أضعف البلاد وسهّل احتلالها، من
قبل الاتراك الذين بمجيئهم دخل الاسلام البوسنة بشكل كبير، بعد أن كان على نطاق
محدود ومقتصر على مجموعة من الناس الذين احتكوا به عن طريق الصلات التجارية مع
الشرق التي كان البحر الادرياتكي طريق مرورها الى اوروبا، وعن طريق لقاء مجموعة من
المسلمين القادمين الى أوروبا من الشرق الاسلامي لغرض الدارسة. غير أن اعتناق
الاسلام من قبل بعض سكان المنطقة، عند
الاحتلال العثماني، لم يكن في مجمله ذا طابع ديني خالص، بل انطلق من اسباب
اقتصادية بحتة. والدليل على ذلك أن أول من أسلم هم الاقطاعيون والتجار الذين
تأتركوا فحصلوا على امتيازات كثيرة أثارت سخط الاخرين وحقدهم. وبمرور الزمن وتزايد
الحروب التي خاضها الاحتلال التركي مع البلدان المجاورة، تنامت هذه الاحقاد فانقسم
الناس بين مؤيد للاحتلال ومعارض له. وكانت سياسة الاغتصاب والعنوة التي اتبعها
الحكم العثماني في البوسنة والتي وصلت ذروتها بما سمي بـ "ضريبة الدم"،
قد بلورت هذه المسألة وأضفت عليها طابعاً عنصرياً وأثنياً حاداً. كانت هذه
"الضريبة" قد مثلت، بعد سنوات من تطبيقها، البذرة الاولى لفكرة بناء
الجسر الشهير والذي سنتحدث عنه في هذا
المقال لاحقاً.
خلال تلك السنوات كان الصراع بين
العثمانيين والنمساويين على أشده، وبعد أن فقدت الامبراطورية العثمانية هيبتها
العسكرية وإنصاعت لأوامر القياصرة الروس الذين أجبروها على الخروج من صربيا في
النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فقد الاتراك سيطرتهم على البوسنة أيضاً مما مهد
ذلك لإحتلالها من قبل النمسا.
تحالف الصرب والبوسنويون ضد المحتلين
الذين عادوا الى أرض البوسنة والهرسك
ثانية. ولكن الجسر كان سداً منيعاً لصد الثوار المنتفضين، فقد وضع
النمساويون متاريساً في وسطه وتمكنوا من إخماد الثورة المشتركة فهرب المسلمون الى
تركيا في حين التجأ الصرب الى إقليم الجبل الاسود. لكن جذوة الصراع لم تخمد
والصراع بين صربيا المستقلة والنمسا المحتلة للبوسنة ظل يشتد حتى إندلاع الحرب
العالمية الثانية التي تسبب في إشعالها ثائر صربي في سراييفو، عاصمة البوسنة
والهرسك، بإغتياله " فرنيس فردينناد " أرشيدوق النمسا عندما كان موكبه
يسير في أحد شوارعها الرئيسية. لقد أغاض ذلك الامبراطورية النمساوية فحملها على
معاقبة شعوب المنطقة الواقعة في جنوب سلافيا ممادفع ألصرب والكروات والسلوفان
والجبل الاسود الى حلف قادته صربيا، شكل نواة لقيام الاتحاد اليوغسلافي الفيدرالي
بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945.
تتلخص ضريبة الدم بأن يأخذ الاتراك
طفلاً من كل أسرة بلقانية يتم ارساله الى اسطنبول لينشأ في أسرة تركية تتولى تربيته
ليصبح تركياً مسلماً وعسكريا تعتمد عليه الامبراطورية في حروبها المستمرة،
الداخلية والخارجية. أن الطريقة التي كانت تتم بها تنشئة أولئك الاطفال تجعلهم
لايعرفون أصلهم، بل وينمّون عندهم شعوراً وكياناً تركياً، فيصبحون قادة جيوش وحكام
ولايات وماشابه. كان "أطفال الضريبة" يجمعون ويحملون على الخيول في سلال
تشبه سلال الفاكهة وقد صنعت خصيصاً وخيطت بطريقة لايرى الطفل من خلالها سوى لقطات ضبابية عابرة. يعبرون بهم الى الضفة
الاخرى لنهر درينا بواسطة عبّارة صغيرة وقديمة. ظلت تلك العبّارة الصغيرة عالقة في
ذهن فتى كان بين احدى مجموعات الاطفال تلك التي عبرت النهر لتواصل طريقها نحو
اسطنبول وتمنى لو استبدلت بجسر يسهّل عملية النقل والاتصال بين الضفتين. تقول
الرواية:
" في ذلك اليوم من أيام نوفمبر،
وفي واحدة من تلك السلال الكثيرة قبع طفل صامتاً مستطلعاً مايدور حوله، فتى أسمر
في العاشرة من عمره من قرية (سوكولوفيتش العليا) استطاع أن يشق له فتحة في السلة
يتطلع من خلالها حواليه ويطبع في مخيلته كل ماوقعت عليه عيناه.انحفر كل ذلك في
ذاكرة الصبي في ذلك اليوم النوفمبري ولم ينمح حتى بعد أن غيّر حياته ودينه واسمه
وتقاليده ".
في اسطنبول كبر هذا الصبي وأصبح ضابطاً
في بلاط السلطان، صار يعرف بإسم "محمد باشا سوكولي". قاد هذا الضابط
حروباً وانتصر فيها وحمل لقب باشا وناسب الامبراطور. خلال ستين عاماً قضاها في
البلاط الملكي غدا ذلك الصبي واحداً من أعمدة السلطة العثمانية. وفي سني شيخوخته تذكر
سوكولي حلم طفولته القديم ببناء جسر على النهر الذي عبر منه يوماً الى الضفة
الاخرى دون رجعة، جسراً أراده أن يكون حلقة وصل بين البوسنة واسطنبول، بين الغرب و
الشرق. فأمر ببناء الجسر وعلى نفقته الخاصة.
بوشر بالعمل في تشييد الجسرالذي أوكلت
مهمة القيام به الى شخص أسمه " عابد
آغا "، وهو رجل عرف عنه فضاضة وسوء أخلاق، حيث اشتهر بمعاملته القاسية
للاهالي الذين فرض عليهم العمل بالسخرة. كان رجال آغا يصطادون الناس في الاماكن
القريبة من المنطقة ويقودوهم الى مواقع البناء عنوة. استمر العمل ببناء الجسر خمسة
أعوام عاشت فيها المنطقة حياة وصفها الكاتب بأنها كانت مثيرة بتفاصيلها اليومية
وأحداثها الصغيرة والكبيرة. حيثيات تميزت بتلك المنازعات الخفية والعلنية بين
العاملين في تشييد الجسر، بين الاتراك والمستتركين وأولئك الذين ينظرون الى بناء
الجسر بنظرات الشك والريبة، وقد كان من بينهم من يعمل سراً لتخريبه، هذه وغيرها من
الامور المنزوية في ثنايا الحياة التي عاشتها المنطقة في تلك الفترة تركت آثارها
بشدة على الاجيال اللاحقة. كانت تلك سنوات من الصراع بين الأهالي حول رفض الوجود
الدخيل أو تقبله. وفي الوقت الذي كان فيه الجسر آخذاً بالامتداد، بدأت تنمو هناك
في السر حركة سرية تسعى لتخريبه يقودها فلاح صربي أسمه (راديساف). كان راديساف
يحرض الاهالي على هدم الجسر بدعوى أنه لاينفع أهالي المنطقة الفقراء، بل هو يبنى
لصالح الاتراك ليسخروه من أجل التجارة ومرور العسكر الى مناطق أخرى. كما كان هناك
من يعتقد بأن الجسر عمل من صنع الشيطان .. الخ.
لكن التراجيديا التي عاشها الفلاح
الصربي راديساف، بعد أن القى عليه عابد آغا القبض، ظلت حدثاً تراجيديا حفرت آثاره
عميقة في ذاكرة الاجيال على مر السنين. فقد كان ذلك يوماً تأريخياً تجمع فيه الناس
حول الجسر ليشاهدوا دراما مأساوية لم يشهدو لها مثيلاً. فقد أمر المسؤول عن تشييد الجسر عابد آغا بالحكم على
راديساف بالخزق حتى الموت. وبدلاً من أن يمر الخازوق بقلب المحكوم عليه، أراد
الآمر بالحكم تعذيبه حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة، فأمر بأن يخترق الخازوق مؤخرة جسم
الفلاح الثائر ضد الجسر ليخرج من فمه دون أن يمر بأحشائه، ليلفظ أنفاسه بطيئاً
ويموت في ساعة متأخرة من النهار.
كان ذلك حدثاً تراجيدياً نسجت حوله
الحكايات وحيكت فيه الاقاويل التي تنوعت فيها الاراء وتناقلتها الاجيال بصيغ
مختلفة، حتى زعم البعض أن راديساف كان زعيماً صربياً ومقاتلاً شجاعاً قاتل الاتراك
فبنوا له الأهالي قبراً، وإدعى المسلمون بأنه كان شيخاً مؤمناً حارب الكفار بإسم
الاسلام، وغيرها من التصورات. أن الشئ الملفت للنظر في هذه الواقعة هو أن جميع
أبناء البوسنة سواء الصرب منهم أم (المسلمين) يشيدون بشخصية راديساف ويدّعونها.
وهذا يؤكد، من وجهة النظر التاريخية، على
الاقل التزام البوسنيين، بغض النظر عن الاختلاف الديني والطائفي والعرقي،
بالانتماء الى الارض التي ولدوا ونشأوا عليها. أن مايشهد على ذلك أيضاً هو التحالف
بين أبناء المنطقة في محاربة الاحتلال التركي ومن ثم النمساوي عام 1878 الذي جاء،
بعد جلاء الاتراك منها.
ظل الجسر رمزأ للاتصال ولكن وللصراع
الجديد بين الشرق "العثماني" والغرب "المجري ـ النمساوي".
كانت صربيا حينذاك مستمرة في حروبها، فبعد أن نالت استقلالها من الحكم التركي
واجهت الاحتلال المجري ـ النمساوي، فاشتعلت الحرب العالمية الاولى من البوسنة على
يد ثائر صربي أطلق النار على أرشيدوق النمسا فرانسيس فرديناند عندما كان يمر
بموكبه وسط شوارع سراييفو فأرداه قتيلاً وأشعلت نار تلك الرصاصة سلام العالم.
وتحالف الكروات مع الصرب وأبناء الجبل الاسود والسلوفان في اتحاد يقوده الصرب. لكن
هذا التحالف الذي شكل بعد الحرب العالمية الثانية نواة للاتحاد اليوغسلافي
الفيدرالي واجه عداء دول المحور وانتهى باحتلال المانيا النازية وايطاليا الفاشية
لأجزاء كبيرة من هذه البلاد المترامية الاطراف ومن ثم اقتطاع اجزاء منها عقب
انتهاء الحرب الثانية. غير أن حرب التحرير الشعبية التي اندلعت من بين الجبال
اليوغسلافية واشترك فيها السلاف الجنوبيون بقيادة المارشال يوسف بروز تيتو
وبمساعدة الجيش الأحمر السوفياتي، حققت انتصاراً ساحقاً على الفاشية وأسرعت في
تأسيس الاتحاد الفيدرالي الذي وضع له دستور يضمن حقوق الجمهوريات المتحالفة. وعلى
أساس ذلك الدستور أصبحت صربيا واحدة من هذه الجمهوريات بعد أن أصبحت البوسنة
والهرسك جمهورية مستقلة. لقد حاول تيتو، طيلة العقود الاربعة التي كان يحكم فيها
البلاد أن يعززالعلاقة بين السلاف الجنوبيين على اختلاف انتماءاتهم الأثنية
والدينية، مؤكداً على شعار الاخوة والوحدة بينهم، غير أن ذلك لن يسحق بذور الاحقاد
والنزاعات العرقية التي زرعها في رحم المنطقة عدد
من العوامل والظروف التي عصفت بها ابّان القرون الغابرة. ويتسائل المرء
بأسى شديد أين كانت كل هذه الاحقاد مختبأة كل هذه العقود من السنين لتظهر الآن،
مثلما يظل "علي خوجا"، الذي أراده مؤلف " جسر على درينا" أن
يكون شاهداً على تاريخ البوسنة، بكل صراعاتها وتفاصيل أحداثها، متحيراً أمام
السؤال الكبير: لماذا يدمر البشر مايشيدوه بأنفسهم؟ يسعى الانسان الى الاستقرار
فيبني البيوت ويشيّد الجسور، ثم يهدمها وينظف الانقاض ومن ثم يعود يبني ليهدم.
لماذا كل هذه الكراهية في قلوب الناس؟ طالمت الارض واسعة مترامية الاطراف وتتسع
للجميع. لكن "لايمكن أن ينتهي والى الأبد الناس الكبار والعقلاء، فالناس
الخيّرون سيشيّدون الابنية السرمدية حباً لله، لتكون الارض أجمل وليعيش فوقها
الانسان حياة أبها وأفضل. فلو حدث واختفى هؤلاء من الوجودفسيكون ذلك نهاية العالم.
أن هذا لايمكن أن أن يتم أبداً". بهذه الافكار خطا على خوجا خطوات بطيئة
وثقيلة.
ولكن وبرغم أن الرواية انتهت عند
استراحة شاهد التاريخ الأبدية على مطلع الطريق المؤدي الى ساحة الميدان بعد أن لفظ
أنفاسه بأرتعاشات قصيرة، قبل عشرات السنين فأن تساؤل علي خوجا، شاهد العصر مازال
يتردد صداه. فلكل زمن سيزيفه الذي يظل يدفع خطيئة أسلافه، فيبقى كلما أوصل الصخرة
الى أعلى الجبل تتدحرج هابطة باتجاهه، فيعيد الكرة. وكل مرة عذابات وصراعات ودمار
وموت.
نشرت في الثقافة
الجديدة
العدد
282 مايو 1998

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق