الجمعة، 24 أكتوبر 2014

قراءة في اوراق من يوميات حوذي


سطور المنفى في أوراق حوذي

طالب عبد الأمير

خيط رمزي شفاف، يغزل قصص رحمن خضير عباس، في مجموعته "اوراق من يوميات حوذي"، دلالته الغربة او الاحساس بالنفى، الذي عاشه القاص خلال ما يقرب من عقود اربعة ( كما يطلعنا في احدى قصصه). فمن اول قصة من قصص المجموعة الثماني، وهي بعنوان (أسوار) نجد الراوي يتحدث عن مواجهة السؤال التقليدي الذي تتقاطع فيه ابعاد كثيرة، وهو عادة ما يتلقاه المهاجر، "المنفي" بعد ان تطأ قدماه ارضاً غريبة، حول البلد الذي ينتمي اليه، مما يخلق لديه، لوهلة ارتجاج العواطف والتردد بالاجابة:

" أحسست كأن حجرا ثقيلا اخترق الرغوة المفتعلة التي شيدتها حول نفسي". يقول في مطلع القصة، ثم ينطقها، مخمناً مدلولات السؤال. "- نعم.. أنا عراقي". ص8. ولهذا الجواب، في سياق القص، دالته المتوطنة في احساسه، كحالة خاصة، لا علاقة لها بالمفهوم الجغرافي للكلمة.
حكايات الراوي، المؤلف، وهو ينقل، كما نستشف، احاسيسه و تجارب هجرته الوطن، وهي السمة الغالبة على المجموعة القصصية، (اذا ما استثنينا قصتي " النهر" و "جذوع ملت من الوقوف " اللتين يستمدهما من خزين الذاكرة وتدخل في مفاصلهما عناصر اخرى)، تعكس تجارب اعداد كبيرة من المثقفين العراقيين اليساريين، الذين اضطرتهم ظروف البلاد السياسية القاسية،  الى الهجرة خارجه، في فترت مختلفة، لكن اكثرها تميزاً، منذ منتصف السبعينات، بعد ان تصاعدت حملة سلطة البعث ضد الشيوعيين، حلفائهم بالجبهة الوطنية، والتي بدأت على شكل مضايقات وضغوط واسقاطات سياسية بتقديم البراءة، سرعان ما تحولت الى اعتداءات واغتيالات لعدد من اعضاء الحزب وكوادره، ومن ثم هجوم مكثف واسع شهده العام 1979. كانت النقاشات، في بداية تلك الفترة، تسري همساً حول ما يجري من غدر حكومة البعث بالحلفاء، لكن ما هو معلن كان امرا مختلفاً، كما في هذا الحوار الذي دار بين مجموعة اصدقاء، بينهم الراوي، في قصة (شقة في المنعطف):


" -    اعتداءات متكررة على الرفاق..
    -        مجرد سلوك فردي لا يمثل الموقف الرسمي للسلطة.
  -         الجبهة في خطر.. انهم يغتالون القواعد.. يبدأون بجزرة الوعيد، وينتهون بعصا التهديد". ص58.

ويستمر الكاتب في سرده لوصف تلك الحالة، التي كان العراق يعيشها، في تلك المرحلة من تاريخه المضطرب دائماً، ليشير، في الصفحة التالية من القصة: " قبل اسابيع، حينما احتفلنا بعيد الحزب على سطح شقتنا،.... نرقص الهيوة ونستمتع برطوبة الليل البصري، واذا بحجر كبير يهوي علينا كنيزك متوحش... ساد صمت هائل، تحسسنا رؤوسنا، شهدنا المائدة التي تبعثرت الى اشلاء.. وحينما اشرأب احدنا لمعرفة الجاني، رأى ثلاثة اشخاص ذوي ملامح قاسية، يرتدون البدلات الزيتونية... قال وهو يضحك ساخراً.

-    انها مجرد رسالة رقيقة من الحلفاء!"، ص59.

هذا النذير تحول الى واقع قاسي، اشتد فيه التضاد في الرؤى حول ما كان يجري على الارض، وتعمقت فيه التناقضات بين الطموح وبين ما آلت اليه الاحداث تتابعاً، فتفتت الامل الذي تشبث به كثيرون بتشييد عراق تقدمي آمن (يقف في طليعة بلدان التحرر)، وتشتت في  ضبابية الخوف من الآتي المبهم، حتى بدأ الخناق يضيق، والكيل طفح. يقول القاص في الصفحة 61 من قصة (شقة في المنعطف):

"رأيت ظلين يتعقبان خطواتي، يغرزان نظراتهما الحاقدة في لون قميصي.. ولكني استطعت الافلات منهما بعد ان تسلقت درجات الشقة راكضاً.. ومن خلال النافذة المعتمة، قرأت همجية ملامحهما". هذه وغيرها من الوقائع دفعته الى الهجرة، او الى "المنفى"، كرد فعل انساني حاول به حسم النوازع التي كانت تتصارع في دواخله.   

في كتابه ( تشريح المنفى – دراسة دلالية وتاريخية) يشير كاتب المنفى المجري الاصل باول تابوري، الى ان ليس هناك على ما يبدو ثمة تعريف مثالي، او وافي لمفهوم المنفى. لكنه يعرّف المنفي بأنه " الشخص الذي اضطر الى ترك بلاده – بغض النظر عن طبيعة القوى التي دفعته الى ذلك، اكانت سياسية، اقتصادية او نفسية حتى. ولا فرق ان كان ذلك قد تم بوسائل جسدية قسرية، او انه اتخذ قراره بدون ضغوط مباشرة ".

هذا التعريف يقودنا الى فهم حالة النفي التي تغزل خيوطها، في وعي المنفي، قبل خروجه من الوطن، حيث تصبح الضفاف الاخرى بالنسبة له عوالم مبهمة، لا يعرف عنها سوى كونها ملاذات يُلتجأ اليها، تكون فيها الخيارات صعبة وقاسية، ليس اقلها التأقلم أوالارتداد في الاحاسيس والشعور بالذنب. وحين نحلل من هذا المنظور سياق القص نجد الراوي يصف رحيله عن الوطن، الذي احب وشكل جل كيانه، وهو يروم الابتعاد عنه نحو المجهول، بالخطيئة:
" بأني مزمع على ارتكاب خطيئة هجرة طويلة "، كما يقول في ص 73 من قصة (مدن ومتاهات). هذا الاحساس راوده وهو مازال في بيته، في ظهيرة ذلك اليوم من صيف عام 1976، الذي غادر فيه الوطن والأهل، تتلاطم في بحر افكاره امواج شتى، وتساؤلات اجاباتها شاردة: هل يوقظ امه ليخبرها بقراره بأنه قد لا يراها ثانية، وهو القرار الذي حدست به الام منذ ايام، حين رصدت اهتمامه باوراق السفر، وحاصره سؤالها الحاد كالسكين، كما يقول:

" كنت كاذبا حينما اجبتها وانا التقط دمعة هاربة تسللت بين مآقيها ".... " انها بضعة ايام صدقيني لن اتاخر". فقد تردد في تلك اللحظة من الاعتراف لها بأنه قد لايراها ثانية: "ادعوها ان تودعني بشجاعة، لانني فقدت القدرة على البقاء في هذا الجو الخانق والمزدحم بالاضداد " لكن العاطفة خذلته ففضل الانسحاب من مواجهتها: ".. فتسللت بعيداً، الج في متاهة لا نهائية " ص 74.

هذه المتاهة قادته الى مدن عديدة، خارج حدود بلاده، تداخلت فيها عناصر الملاذ بالاكتشاف والدهشة والاحباط حتى، اذ يتابع القارئ مسار رحلة الراوي الى دمشق ـ بنغازي ـ طرابلس ـ الجزائر ـ عزازقة، بعدها وجدة، فالرباط ومن ثم الى تارودانت النائية في جنوب المغرب، محطته ما قبل، قبل الاخيرة، قبل ان يحط الرحال في شمال القارة الامريكية، اتاوه بكندا!، لكن هل اراح المنفي ركابه؟

لكل محطة من محطات هذا الترحال خصوصياتها، واشياؤها التي تتجاذب مع احاسيس المنفي المضطربة، التي تحمل في دواخلها ترسبات اسمنتية من العناصر التي دفعته الى مغامرة الرحيل، فتخلق لديه نوعا من الحساسية ازاء تفاصيل الاشياء، وتراكماتها، في المهاجر التي مر بها. ففي دمشق السورية، محطته الاولى، مذ غادر مدينته الشطرة، في جنوب العراق، وجد نفسه في ضيق وهو في ساحة الجامع الاموي الفسيحة، محاصرا بالسؤال: "اين امضي؟ بعد ان أحرقت سفن العودة، وصرخت بصوت واهٍ، لكنه لايشبه صرخة طارق بن زياد: الوطن المكبل وراءك، وهذه الصحراء العربية المترامية امامك..." يقول في ص 75. فيشد رحاله الى بنغازي الليبية، التي ما ان حط فيها، حتى  تملكه بؤسها: " فقد ادمنت على فوضى الخمول والشعارات التي تصافح وجهك اينما ذهبت"،.يقول مواصلاً الى طرابلس " المسكونة بهلوسة القائد "، فيتركها وراءه متأبطا حقيبته من جديد، والوجهة هذه المرة الجزائر، حيث عين مدرسا في مدينة عزازقة الجبلية، التي يعمل فيها مدرسون من كل الاجناس،  وحيث فيها التناقضات على اشدها، كما يصف لنا في "مدن ومتاهات" بين الموالين لسياسة التعريب واولئك المحافظين على الارث الفرنسي: "وقد اصبحنا دون ان ندري طرفا في نزاع ليس مهيئين لخوضه"، يقول المنفي، الذي جاء الى بلاد مقاهيها " تتسع للتحاور والشجار بين المدرسين الذين ينتمون الى بلدان محتلفة.... والمجاهدون اغوتهم السلطة فعشقوها.. بينما الشعب يعاني الامرين". ص 78.

مثل حالات الجدال الصادمة هذه يتسلل صداها الى احاسيس المنفي المضطربة اصلا، من جراء ما يحمله من ترسبات الاحداث التي دفعته الى الرحيل. فيدق فيه ايقاع التفكير بها مجدداً، ويعاد انتاجها على شكل نوازع تدفعه الى التوغل في الهجرة والهرب ابعد، فيترك بطل القصة الجزائر شادا الرحال من جديد الى بلد آخر، الى اقاصي المغرب: "فما دمنا قد بعدنا عن النخل ما الضير ان نبتعد اكثر"، يقول القاص في نفس الصفحة. وفي هذا السياق دلالة الاحساس بعدم الاستقرار، نرصدها في هذه الاشارة. لكن الابتعاد، رغم ظاهره الجغرافي، يحمل في تداعياته ابعاداً أخرى، يتصارع فيها الحنين الى الوطن والخوف من انتكاسة العودة الى الوراء. والحنين هنا ليس بمفهومه العاطفي فحسب، بل المادي الملموس ايضا، حيث الوطن هويته الدائمة التي يحملها في اعماقه، اينما ذهب. فالمنفي، المهاجر، يوطد مع الوطن، بعد رحيله عنه، الى عالم مبهم، او حتى غير مبهم، علاقة خاصة تجد تجلياتها في اشياء وتفاصيل مختلفة، تغلفها رغوة خفيفة، سرعان ما تنفجر عند الملامسة. لنتأمل هذا المقطع حين يلتقى بمغترب عراقي آخر، دعاه الى شقته، حيث لم يحصل على غرفة يبيت فيها تلك الليلة التي وصل فيها الجزائر العاصمة، تحدثا خلالها في السياسة والادب، قرأا شعراً واستمعا الى الاغاني:
 " كانت تلك الاغاني تعويذة الوطن الذي تركناه مرغمين.. في تلك الليلة غنينا معاً: (للناصرية.. تعطش وشربك ماي بجفوف اديه)... ضحكنا كثيرا وبكينا.. ولكننا لم نزل نلتفت الى الزوايا التي غادرناها... هل هي خشية من المجهول ام تحسبا له؟ ". ص 77.
الوطن يتجلى اكثر لدى البطل، في سياق السرد القصصي، عندما يلقبونه بـ "العراقي" او " السي العراقي " بديلا عن اسمه الشخصي: " الجميع يعرفونني بهذا الاسم، ورغم صيغة الإبهام والتنكير التي طمست معالم اسمي الشخصي، الا ان الاسم الجديد اثار فيّ مزيجا من الاعتزاز والسرور الخفي، وكأنني احتضن هذا العراق، من خلال تقمص اسمه، بل كأنه يتدفق في عروقي، وانا ارتمي في حقول (سوس) النائية". ص 12.

وهنا، مرة اخرى يتأكد الوطن ليس كمفهوم جغرافي، بمعنى ارض ينتمي اليها المغترب، المنفي، بل يتجسد كحالة لها امتدادات اجتماعية ونفسية وانعكاسات لتجارب مختلفة، انه عالم شخصي خاص به يسكن في اعماق المهاجر، رغم انه يشارك فيه بوعي جمعي. ذلك حين يقول القاص "وكأنني احتضن هذا العراق".

في مؤلفه ( الكاتب والمنفى ) اشار الروائي عبد الرحمن منيف الى ان المنفى، ايا كان، " ولفترة معينة، قد تطول، مكان قاس وموحش، ليس لأنه كذلك في الأصل والواقع، وانما لأنه مكان غريب، ولأن الوافد الجديد، المنفي، غير قادر على التكيف معه، خاصة وانه يعتبر إقامته فيه مؤقتة، كما يعتبره المواطنون الآخرون، مواطنو البلد، زائدا وثقيلا، وايضا سؤالا.. وهذا السؤال رغم بساطته اغلب الاحيان، الا ان الكثيرين لا يكلفون أنفسهم تقصي الاجابة عنه... ولذلك يظل المنفي غير مفهوم، وبالتالي لا مبرر لوجوده واستمراره، ولأنه موجود، فهو ضد رغباتهم وفوق طاقة احتمالهم".

وهذا القول قد ينطبق على بطل قصة رحمن خضير عباس "اسوار"، وربما يتجاوزه الى حد تحميل الغريب، كل السلبيات والتناقضات الموجودة، بل وحتى الكوارث الطبيعية التي يمكن ان تصيب ذلك البلد، حينما يصور لنا القاص في سياق السرد قصة الامطار التي غزت مدينة " تارودانت" التي عين معلما فيها، وطفحت فيها السيول بمايشبه الطوفان، فهدمت اسوارها: " ايقنت بانهم يحملونني مسؤولية ضياع اسوارهم.... إذهب ايها البراني بعيدا عن اسوار مدينتنا.. لقد جلبت لنا الدمار، ولكننا ابقيناك حيا طليقا". ص18.

هذه الرمزية تدل على الشعور العميق بالمنفى، رغم العيش في بلد، عربي، ثقافاته وتقاليده وعاداته مقاربة لعادات بلده، فضلا عن اللغة المشتركة، بغض النظر عن اختلاف لهجاتها، مما قد يوحي بأن الفضاءات العربية يمكن ان تخفف من حدة النفي، وهي فعلا كذلك، لو كان الوضع يجري في سياقات طبيعية، لكن المنفى واحد، طالما الاحساس به عميق ونازف بتناقضات تتأرجح بين الاندحار وقساوة مجرد التفكير بالعودة الى المربع الاول، ومواجهة ظروف المنفى الصعبة. فضلا عن  ان هذه البلدان تحمل تناقضاتها هي، التي تنعكس، كما رأينا، على نفسية المغترب المنفي. فنجده يقول: "وفي نهار خريفي مبتل بالندى، وجدت نفسي اترك تارودانت الى الابد...". والوجهة هذه المرة هجرة الى الضفة الاخرى من المحيط، الى كندا، عبر عمان "محطة التشرد والشجن واسترجاع الذكريات التي تشظت في الوطن" كما يصفها القاص ويرى بأنها "اضحت مخيما للعراقيين من كل الاجناس والاعمار والافكار والامزجة"، ص21، قصة (اللوحة).

وبعد ان تأتيه الموافقه الى خارج هذه الفضاءات، التي لم تمنحه سقفا يأويه، يرحل الى عالم آخر مختلف تماما، بمسارات حياته وانظمتها المتعددة، الى كندا، التي حط فيها الرحال بمايشبه نهاية المطاف، بعد ان انطوى ربيع العمر: لكن هل اراح المنفي العراقي ركابه؟  
دعنا نتلمس الجواب عن هذا في ما يقوله في قصة (اللوحة) التي يتحدث فيها عن وصوله الى اتاوه، حيث احتفل برحيله اليها في الاردن " مع بعض من رفاق الفاقة المزمنة .. بعضهم حسده وبعظهم هنأه، وتصور انه سيودع الحزن والالم والوحدة الى الابد"ص21.

اشكالات المنفى لم تنقطع، وصيروراتها هي ذاتها، رغم تبدل طبيعتها ومسمياتها، وقد تكون اشد ايلاما في بلد الغرب، مما كان في الدول العربية، رغم توفر عوامل الاستقرار في البلد الغربي، وان كان نسبيا. ومن خلال تتبعنا لسير احداث غالبية قصص المجموعة، التي يغزلها خيط المنفى، نجد تحولا في طبيعة الشعور بالنفي، وتشابك حالات الاغتراب، حيث تتصادم الاحلام مع واقع آخر، ليس كما توقع الكاتب: "وحينما داهمه الثلج تذكر احلامه عن هجرة ستنقله الى الفردوس الارضي الذي سيحقق كل رغباته المستحيلة". ويسترسل متسائلا: "أهي تلك الهجرة التي تمناها وحلم بها وانتظرها لحظة غجرية بعد اخرى؟!"ص20.
فبعد ان كان يملك مهنة محددة سوقها متوفرة في البلاد العربية، وهي التعليم، بحكم اللغة، وجد نفسه في كندا مضطرا لتعلم مهن جديدة، بعيدة عن طموحاته وأمانيه، ذلك من اجل اثبات ذاته واعطاء مغزى لوجوده. "العمل في هذه الاصقاع هو الذي يشكل شخصية الانسان" ص47. فالدافع اذاً ليس اقتصادياً محض، لتأمين عيش مناسب فحسب. فيعمل سائق تاكسي، او حوذي كما اسماه المؤلف، وهي مهنة يلتجأ اليها كثيرون من حملة الشهادات الجامعية من المهاجرين في دول اوربا وامريكا الشمالية واستراليا، بعد ان يجدوا ابواب فرص العمل موصدة امامهم بالاختصاصات التي يملكونها، فينشأ لديهم اغتراب نفسي يعكس ذاته باشكال مختلفة. يخبرنا بطل قصة ( اوراق من يوميات حوذي ) وهي القصة التي حملت اسم المجموعة، بأن تصوراته تشظت، كمرآة مهشمة: " تناثرت على الارض، بعد ان كانت حافلة بالاخيلة..." ص43.

ليس معيبا لجامعي ان يشتغل سائق تاكسي، او بائع خضرة ، او يعمل في مطعم او مقهى، او اية مهنة محترمة في الغرب، وانما هو الاحساس الذي تتلاطم امواجه في دواخل المنفي، حيث الاختيارات امامه محدودة، فتأتي الاشياء بالضد من طبيعته واحساسه. كما هو تحدى واصرار وتنمية روح المثابرة:
"مشيئة الحياة تحتم علي ان اتنازل عن طبيعتي، مشاعري.. ان اتحول الى شخص آخر". ص 45.  
يحاول الراوي مقاومة احساس هذا التنازل باستحضار الذاكرة، فيتخيل سيارة الاجرة التي سيجلس وراء مقودها ويتهادى في "ليل (اتاوة) الملثم بالثلج والغموض" جواداً يشبه حصان والده الاصيل، حيث كان الاب يتفاخر به بين جيرانه. لكنه يتنبه بعد ان يعود الى الواقع بأن: "لا.. ليس ذلك الجواد الذي تخيلته، فهذه الصورة تبخرت كحلم عابر حالما رأيت تلك السيارة الامريكية الصنع من نوع (بيوك)، تآكلت حواشيها من الصدأ" ص43.
نحن اذاً امام صورة تحاول ان تعبر عن حالة الصراع بين الطموح والواقع، فيبدو مرغماً على التأقلم مع هذه المهنة الطارئة، التي، برغم كل شئ، لم يكن الحصول عليها سهلاً، اذ تطلبت، بالاضافة الى امتحان خاص باصول سياقة التاكسي، معرفة بقوانين المجتمع، ودراسة جغرافية المدينة، كما يشير لنا الراوي، الذي ما ان اخذ يروض مشاعره ازاء المهنة، ويتقبلها على مضض، حتى وجد نفسه يعيش مع نوع آخر من الاغتراب، في "سوق لا تنتمي الى المحيط الكندي، فانت في وسط السوق السوداء، والسلوك الاسود من ابناء جلدتك العرب والافارقة والاسيويين...تلمس استغلالاً بشعا من إخوتك المهاجرين امثالك !، والذين يحتالون على القيم الرائعة للقوانين الكندية..ما العمل؟" ص47.
في هذا الجو الذي يتحرك فيه بطل القصة يظهر لنا المؤلف، عمق الشعور بالمنفى، حيث ما يراه ويعيشه في الواقع وما يختزن في اعماقه من الم الوطن يعبر عن تشظي بالمشاعر، وهو يصف التناقض بين مايراه من مشهد احتفالي تعيشه مدينة اتاوة الكندية، التي يقود سيارته في شوارعها حيث " الالعاب النارية مازالت تخترق ظلمة السماء، لتكوّن نافورات من الاضواء والالوان" وما يطفح من خزين ذاكرته، في تلك اللحظة، عن بغداد، حين يقول: " تذكرت اضواءً نارية تقتحم ليل بغداد، ولكنها تحمل الموت والدمار... اخبار قصف بغداد تنبعث من جهاز الراديو.." هذا الشعور بالمفارقة العنيفة كادت تقضي عليه وهو يحاول الهرب من تلك اللحظة، بضغطه على دواسة السرعة، وفقد السيطرة على سيارته التي اصبحت تترنح في اتجاهات خطره، كما يصف: " احسست برهبة الموت وانا ارى شاحنة ضخمة تأتي باتجاهي".

الاحساس بالمنفى يمكن ان يعبر عن نفسه باشكال مختلفة، فقد يصبح المنفى، كما وصفه غائب طعمة فرمان "مملكة كاملة تتطور مع العمر، مواطنوها هم تلك الاحلام التي عجزنا عن تحقيقها، مصطدمين بما يقلب الاحلام الى كوابيس، ولكن تلك الاحلام تظل تلح على النفس في الداخل".(البديل عدد13، حزيران 1989).
غير ان هذه الكوابيس يمكن ان تروض بالخيال، الذي يفصح عن رغبة مختزنه في مكان ما بداخل المنفي، كما نلحظ ذلك من خلال تهيؤات بطل رحمن خضير عباس المجنحة في قصة "المقامة الكاريكاتيرية" حيث تترائى له، من خلال عين مؤرقة، تعبة، اشكالا غريبة مرسومة على الجدار: " آذان كبيرة ترفرف كالطيور، باحجام كبيرة واخرى صغيرة.. انوف مختلفة الاشكال والاحجام.... افواه بكل المقاسات...".ص 26، بدأت مخيفة، وقد اثارت  فيه رعباً شديداً، لتتحول، بعد اصرار عنيد، في مقاومة الاحساس بالنفي، الى لعبة أليفة، تستمد صيرورتها من امنية قديمة بممارسة هواية الرسم، ظلت غافية سنينا في دواخله، نهضت من مملكة الاحلام وقادته الى فن الكاريكاتير، ليتخذ منه، بعد تعثر ومحاولات فاشلة، عملاً له: " فوطنت نفسي على الاستمرار في هذه المهنة، متذكرا الاخيلة التي فقدتها"، يقول بطل القصة في الصفحة 32.
في قراءتي للمجموعة ركزت على تتبع حالة الشعور بالمنفى لدى الراوي في هذه القصص، وانعكاساتها على السرد، لكن لا بد من الاشارة الى انها وبرغم تقريرتها المباشرة في بعض الاحيان، استطاع المؤل- ف ان يقدم لي كقارئ صياغات فنية جميلة في اطار السرد القصصي.

* "اوراق من يوميات حوذي" دار شمس القاهرة 2014
نشرت في "المثقف" العدد 3503ـ 6 - 4 ـ 2016 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق