الثلاثاء، 8 سبتمبر 2015

العلاقة بين العلم والفن

نشر في الثقافة الجديدة، العراق 2000 
* ملخص لدراسة موسعة حول علاقة العلم بالفن، قدمت كمحاضرة في ستوكهولم 2016.
** نشر مبحث من هذا الملخص في كتاب "علم الاجتماع الأدبي" للاستاد انور عبد الحميد الموسى، الصفحات 19 - 22

جذرية العلاقة بين العلم والفن تعززها 

ثورة المعلومات*


 طالب عبد الأمير

تسهم التقنية الحديثة لوسائل البحث عن المعلومات وشبكة الاتصالات المعرفية  المتطورة في بلورة مفاهيم معاصرة ونسج أواصر علاقات مؤسسة على خلفيات حديثة الاكتشاف، بين مختلف ظواهر النشاط البشري وميادينه المتعددة، كما أننا نلمس في عصرنا الراهن تعددية مجالات النمط العلمي الواحد وتنوع ارتباطاته بالأنشطة الإنسانية المختلفة، كالنشاط الإنساني، على سبيل المثال، أو بالأحرى يجري دمج تخصصات الفروع المختلفة، سواء أكانت ضمن نطاق الميدان الواحد أم بين عدة ميادين وفروع مختلفة، كما هو الحال مع اقتراب المجالات العلمية ـ التقنية من الفروع الإنسانية. إن هذه النظرة تأتي من إعادة قراءة الظواهر بوسائل تقنية أكثر حداثة ورقياً، ونسج خيوط بعضها لردم الهوة بين مفاهيم كانت حتى وقت قريب قوالب جاهزة لا يمكن المساس بها، كالعلاقة بين مفهومي التقنية والفن، على سبيل المثال، أو بصورة أدق بين العلم والفن. فبعدما كانت الهوة سحيقة في فهم العصور السالفة للاختلاف بين هذين النوعين من النشاط البشري، نجد اليوم أن ثمة وعياً يتبلور حول تضييق رقعة هذه الفروق.. فإذا كانت الماكنة قد شكلت، في الماضي، سمة لعصر الصناعة، ووسيلة من وسائل الإنتاج الصناعي الراقي فحسب، فهي في منظور عصر تقنية المعلومات رسالة إعلامية تحمل دلالة هذا العصر الذي نعيش تفاصيله المتسارعة.

قصاصات من ذاكرة خصبة

قصاصات من ذاكرة خصبة
رحيل الكاتب العراقي عبد الغني الخليلي في منفاه السويدي
طالب عبد الامير 

كان يخشى من مجيء مثل هذا اليوم، لكنه جاء. كان الشاعر عبد الغني الخليلي يخاف أن يدفن في صقيع أرض لا يسمع فيها «هديل الحمام الخافت الرقيق عند الغبش»، وهو «يستقبل نجمة الصباح فتبتهج لمنظرها البهي المآذن» تلك الصورة التي كان الخليلي يحملها في ذاكرته الطرية عن «النجف» مسقط رأسه.
ففي يوم الجمعة، الخامس عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) حمل «شيخ الشباب»، كما سماه صديقه الشاعر الراحل مصطفى جمال الدين، على اكتاف محبيه نحو مقبرة في شمال العاصمة السويدية استوكهولم، حيث ووري ثرى ارض غريبة، حاملاً معه ذكرياته عن المخزومي وحسين مروة والجواهري وعلي جواد الطاهر وغيرهم.
كان عبد الغني الخليلي شاعرا وناثرا مبدعا هضم تراث ابن عربي والمتنبي وحافظ ابراهيم، حيث نشأ في اسرة الخليلي العريقة التي سكنت النجف منذ اواسط القرن الثامن عشر، ومنها نبغ مشاهير في العلم والادب والشعر والصحافة، ومنهم القاص جعفر الخليلي والشاعر الناثر عباس الخليلي. وكانت مدرسة الخليلي منارة للعلم والمعرفة حيث خّرجت علماء وادباء ومثقفين تتلمذوا على ايدي اساتذة كبار مثل حسين مروة ومحمود الحبوبي ومحمد جمال الهاشمي وغيرهم.
ففي هذه البيئة الثقافية صقل عبد الغني الخليلي موهبته في الشعر والنثر ونشر اولى كتاباته في الصحف النجفية وهو ما يزال دون الرابعة عشرة.
كان الخليلي مولعا، ومنذ صغره بكتابة الرسائل. كان يراسل شخصيات ثقافية وادبية عربية وعراقية كثيرة.. وفي احدى المرات كانت قد وصلت اليه رسالة من الشاعرة مي زيادة عنونتها الى الاخ الشاعر الكبير عبد الغني الخليلي. يقول، في آخر مقابلة اجريتها معه، انشرها هنا لاول مرة، ان هذه الرسالة اطلع عليها عمه الكاتب جعفر الخليلي فكتب الى زيادة يقول ان الاخ الكبير عبد الغني الخليلي ليس إلا صبيا لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره.
ولد عبد الغني الخليلي في النجف عام 1925 وفي اواسط الاربعينات غادرها الى بغداد بحثا عن وظيفة. فعمل معلما في مدرسة بالكاظمية. يقول عن ذلك في حوار أجريته معه ولم ينشر: «خلال فترة عملي في وظيفة التعليم لم اكتب شيئا، حتى ان مطالعاتي قلت، بسبب التعب الذي كان ينالني جراءها. ثم فصلت من العمل بسبب نشاطي السياسي وعدت الى مدينة النجف، حيث بقيت فيها سنوات، عدت بعدها الى بغداد لأعمل في مطبعة الزهراء التي كان يملكها عمي، رحمه الله، وبعدها بعامين انتقلت للعمل في البنك اللبناني المتحد، ثم في مصرف الرافدين ببغداد».
وفي عام 1976، بعد اثنين وعشرين عاما من عمله في البنك يحيل الخليلي نفسه الى التقاعد ليتفرغ للكتابة، ويدوّن ذكرياته عن مدينته العريقة النجف.
«في آواخر السبعينات بلغ ما كتبته الفي صفحة. ثم جاءت عملية التهجير الظالمة فاستولى الجلاوزة على البيت وما فيه من كتب ومن ذكريات مدونة على الورق».
وفي وصفه لرحلة التهجير السيئة الذكر إلى إيران بحجة التبعية الإيرانية، وهو يسير بين الادغال حاملاً أمه على ظهره، لا ينسى الخليلي ذكر الربيع الذي بدأ «يفرش الوديان والجبال والسهوب، بالاعشاب البرية، فخفقت اولى وريقاتها الخضر، وتغلغل الدفء الى عظام أمي التي مسها البرد، وأضناها التعب. فتململت بحركة شفتيها تطلب مني شيئاً من الطعام، إذ داهمها الجوع، فمنذ ثلاثة أيام، لم تذق خلالها طعاماً ولا شراباً، سوى جرعات من ماء المطر المتجمع في الحفر. كنت أغرفه لها بيدي فتشرب.. وبينما كنت أبحث لها عن أعشاب ندية في مساكب الخضرة يمكنها أن تسد بها جوعها عثرت على الخباز البري. وحين عرفت أنها تعجز عن مضغه، رحت أمضغه لها وأدسه في فمها».
ويقول عن أسباب عدم نشر أعماله ومذكراته:
ـ «ما كتبته لم يكن لتسمح به الرقابة، إذ أن كتاباتي لا تخلو من السياسة والاشارة الى الاضطهاد الذي كان يعانيه الشعب من الحكم الملكي آنذاك. اتذكر وأنا في الثانية عشرة من عمري وربما اكثر بقليل عندما خرجت من بيتي في حي العمارة الى صحن الامام علي ـ كرم الله وجهه ـ فوجدت الصحن غابة من الجنائز، صفوفا ممتدة حتى باب السلام، ثم ذهبت الى والدي فوجدت عنده علي الشرقي وابراهيم الوائلي والزعيم عجمي ابو كلل يتحدثون عن مجزرة في الجنوب، في اطراف الرميثة، قام بها رشيد عالي الكيلاني. وهذه الجنائز كانت ضحايا المجزرة، كان من بينهم مئات الاطفال. هذه الحادثة دونتها، وهي ما زالت تثير الرعب في نفسي كلما تذكرتها. وأنت تعرف ان هذه وامثالها كثير ترعب السلطة الحاكمة آنذاك».
بعدها جاء البعثيون وما قاموا به من قمع و تعذيب ضد المعارضين، فنصحني البعض ومنهم الدكتور علي جواد الطاهر ومحمد المخزومي ألا يطلع على تلك المذكرات أحد. هذه الظروف كانت منعتني من طبع ما كتبت.
في منفاه السويدي وبعد إلحاح من محبيه، تمكن الخليلي من جمع قصاصات من ذاكرته الخصبة واصدر كتابين لهما ذات العنوان «سلاما يا غريب»، الاول عن دار المنفى في السويد والآخر عن دار المدى بدمشق وفي ثناياهما تغور حكايات وحكايات عن تلك الربوع الخصبة والذكريات الجميلة، ومعها بعض من الرسائل التي كان يتبادل بها مع اصدقائه الذين شاركه جلهم صقيع المنافي والتغرب.
«أكثر كتاباتي عبارة عن رسائل، فأنا مولع بها. كنت اراسل كثيرا ادباء من مصر والعراق وسورية ولبنان، من بينهم بشارة الخوري ومارون عبود وبدوي الجبل والحبوبي والجعفري والوائلي والهاشمي وغيرهم. كنت احتفظ بصندوق مليئ بمثل تلك الرسائل».
أهتم الخليلي كثيرا بأدب الرسائل، وكتب الشعر كذلك. وله، كما ذكر لي، ديوان كان معدا للطبع، ويضم اكثر من الف وخمسمائة بيت.
ومن علاقاته التي يعتز بها علاقته بالجواهري التي يقول عنها:
ـ «علاقتي بالجواهري قديمة فعائلتانا كانتا متجاورتين. اتذكر محمد الجواهري عندما كنت في الثانية عشرة من عمري، كنت ازور عمي الطبيب محمد الخليلي حيث كان يقيم في الكوفة. وكان الجواهري يعمل استاذا للادب العربي في ثانوية النجف. وكان بيت عمي مرتاد الادباء والشعراء النجفيين وغيرهم. كنت احفظ ديوان الجواهري الذي اصدره عام 1935 بيتا بيتا عن ظهر قلب».

22/ نوفمبر/2002 الشرق الاوسط - لندن

لوركا المتألق ابداً


لوركــا المتألق ابــــداً
طالب عبد الأمير

قبل ثمانية وخمسين عاما*، تمكن الفاشيون من تصفية جسد لوركا الطري، لكنهم لم يستطيعوا اخماد تألقه شاعرا وكاتبا دراميا فذا. فهو مايزال يعيش في قلوب الناس ليس في اسبانيا، بلده، وحدها، بل وفي مختلف انحاء العالم.فمازالت المسرحيات التي ألفها والقصائد التي سكب فيها عصارة احاسيسه وهي تغني الوطن حتى في احلك فتراته، تلهم متفرجي المسارح ومشاهدي شاشات السينما.

يعتبر فريدريكو غارسيا واحد من اكثر كتاب اسبانيا العالمين تألقا، فقد ترجمت اعماله الى معظم لغات العالم. حيث مازالت "عرس الدم" و"بيت برناردشو" وغيرهما من روائع لوركا تمثل على معظم مسارح العالم وبلغات مختلفة، حيث يكتشف المرء فيها كل يوم سمات جديدة تدل على عظمة المبدع الشاب الذي اغرقه الفاشيون الفالانج بدمه وهو يهتف لاسبانيا"خضراء...احبك خضراء". 

تملك حياة لوركا واستشهاده عمق دلالة الانسان الذي استطاع ان يربط بين الابداع المادي والاحساس العميق بنبض الوطن الذي كان يئن من اعمال الفاشيست، اعداء الكلمة الصادقة الذين ارادوا بالقضاء على جسده ان يمزقوا وشائج هذه الرابطة التي تألقت حتى بعد استشهاده. وفي كتاب "حياة فريدريكا غارسيا لوركا" للمؤلف الايرلندي "ايان جبسون" المتخصص بالادب الاسباني، نتلمس هذه الوشائج في عدد من النصوص الكثيرة المتناثرة التي كتبها لوركا في اواخر ايامه والتي لم تجد، اغلبها، طريقا للنشر في ذلك الوقت. لقد زار المؤلف غرناطة، بلدة الشاعر عدة مرات، منها عام 1978، بعد ثلاثة اعوام من موت الديكتاتورالجنرال فرانكو الذي كان قدامر بمنع تناول اعمال لوركا والحديث عنه في المحافل الرسمية وغيرها، طيلة فترة حكم الفالانج. في اسبانياالتقى الكاتب الايرلندي ايان جبسون بأصدقاء لوركا واقربائه ومحبيه اذ جمع منهم معلومات حول تفاصيل حياة فريدريكو غارسيا لوركا وقام بجمع القصاصات و الرسائل التي كتبها. كما استقرأ وحلل الظروف التي تم فيها استشهاده في بداية الحرب الاهلية الاسبانية وهو في عامه السادسة والستين. كل هذه المعلومات والرسائل والقصاصات التي خطها لوركا، مضيفا اليها الكتابات النقدية عن اعماله، ضمنها المؤلف في بيليوغرافيا تجاوزت السبعمائة صفحة.

كان لوركا ينتمي الى عائلة ليبرالية انخرطت في الكفاح من اجل تغييراسبانيا في طريق ديمقراطي، فاختار هو طريق اليسار منذ البداية. احب وطنه وسقط متضرجا وهو يدافع عن الجمهورية الفتية التي حاول الفاشيون تقويضها فانصدموا بمقاومة جماهيرية باسلة. وهذا ما جعله كبيرا في عيون شعبه،الذي لقبه بشاعر اسبانيا الاول. كان هو قريبا من الناس واذ ادرك ان الثقافة والمعرفة عاملان مهمان في تطور الشعب وتقدمه وان مهمة المثقف ان يقوم بدور المحفز، كان لوركا يطوف مدن اسبانيا واطرافها الملتهبة، يقرأ اشعاره وينظم الخطب الوطنية ويجمع الناس في عروض مسرحية ترفعهم الى مستوى الوعي بثقافتهم. وفي الوقت الذي كان لوركا يكبر بعيون الشعب كان يحصد غضب اعدائه الذين كانت ترهبهم كلماته العميقة وتخيفهم صلابة انتمائه للشعب.
ان مقدرة لوركا الابداعية تكمن في مقدرته على تشكيل عالمه الفني والادبي وفق الموتيفات التي كان يستقرأها في تراث اسبانيا وفي موروثات الشعب، مما جعله ذلك ان يكون قريبا من قارئه، حيث تكون لفعل القصيدة قوة ساحرة لم يستطع المرء تحديد مصدرها حتى بالنسبة للشاعر نفسه. فحول قصيدته الشهيرة " أغنية السائر في نومه " التي كتبها عام 1924 كتب لوركا يقول" لااحد يعرف ماذا يحدث، حتى انا. ان سحرالقصيدة قوة غامضة حتى بالنسبة للشاعر مؤلفها ".
في كتابه، آنف الذكر، يشير جبسون الى العلاقة الوطيدة جداً التي ربطت بين لوركا وسلفادور دالي، ويتناول سفراته الى الولايات المتحدة بين عامي 1929- 1930 التي جددت فيه نشاطه الفني. كما ويستتبع المؤلف الظروف التي جرى فيها اعتقال لوركا ومن ثم تصفيته، انها الظروف التي كان فيها اليسار الاسباني، الذي انتمى له لوركا، مشتتاً، حيث تمكنت القوى الرجعية من الامساك بزمام الامور السياسية بعد ان انقضت على السلطة المنتخبة من قبل الشعب.

كان لوركا في بيته حينما اقتحم الفاشيون غرناطة وساقوه الى الموت، سوية مع آخرين في الثامن من آب عام 1936. ان اصابع الاتهام المدماة تشير صوب عصابة فرانكو المسؤولة عن تصفية جسد لوركا كما يشير جبسون في كتابه، وهذا ما يعرفه الجميع. لكن قصائد لوركا وكتاباته الدرامية مازالت تسكن مشاعر الناس. 

* كتبت ونشرت العام 1994، في الذكرى المئوية لميلاد فردريكا غارسيا لوركا

أعيد نشرها في صحف عديدة